بمعنى الوحي الدال على القول ، أو مصدرية في موضع الجرّ بدلا من الروح ، أو النصب بنزع الخافض ، أو مخففة من الثقيلة ، والآية تدلّ على أنّ نزول الوحي بواسطة الملائكة ، وأنّ حاصله التنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوّة العلمية ، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمالات القوّة العملية ، وأنّ النبوّة عطائية ، والآيات التي بعدها دليل وحدانيته من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة ، ولو كان له شريك لقدر على ذلك فيلزم التمانع
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة ، قدّرها وخصصها بحكمته
تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
منها أو مما يفتقر في وجوده أو بقائه إليها ، ومما لا يقدر على خلقهما ، وفيه دليل على أنه تعالى ليس من قبيل الإجرام
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ
جماد لا حس لها ولا حراك ، سيالة لا تحفظ الوضع والشكل
فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ
منطيق مجادل
شرح
بتأويل الروح به لأنه المفسر في الحقيقة ، ولولاه لم تدلّ الجملة على ذلك . قوله : ( أو مصدرية ) على مذهب سيبويه المجوز لوصلها بالأمر والنهي وفوات معناه بالسبك ، كفوات المضيّ مع أنه غير مسلم كما مرّ تحقيقه ، وإذا كانت مخففة من الثقيلة ، فهل يحتاج إلى تقدير القول معها أم لا تقدّم الكلام فيه ، والنصب بنزع الخافض بتقدير الباء السببية معه . قوله :
( والآية تدل على أنّ نزول الوحي بواسطة الملائكة الخ ) دلالة الآية على ذلك ظاهرة وليس فيها دلالة على أنه لا يكون إلا بذلك حتى يرد عليه أنه لا دلالة فيها على الحصر مع أنه غير منحصر في ذلك ، وقوله : ( منتهى كمال القوّة العلمية ) يعني أنه أشرف المطالب اليقينية ، وكون النبوّة عطائية هو مذهب أهل الحق خلافا للحكماء ، وقد مرّ تحقيقه في سورة الأنعام وقوله : ( لأصول العالم ) يعني به السماوات والأرض ، وقوله : ( على وفق الحكمة ) هو معنى قوله بالحق وقوله فيلزم التمانع إشارة إلى برهان التمانع المذكور في علم الكلام ، وقوله وفروعه يعني به ما في خلق الإنسان الخ . قوله : ( أوجدهما على مقدار وشكل الخ ) هو يؤخذ من قوله تعالى بالحق لأنّ معناه ما يحق لها بمقتضى الحكمة لتدلّ على صانع مختار منفرد بالألوهية وإلا لوقع التمانع لاجتماع مؤثرين على أثر واحد ولذا عقبه بقوله :تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَوقيل : معنى قوله بالحق بحكمة الحق وقوله : ( منها ) وفي نسخة منهما وإليهما والمعنى واحد وقيده بما ذكر ليرتبط بما قبله ولأنه الواقع . قوله : ( على أنه تعالى ليس من قبيل الإجرام ) أي ليس بجسم كما يقوله المجسمة ، ووجه الدلالة أنه يدلّ على احتياج الإجرام إلى خالق ، فهو لا يجانسها وإلا لاحتاج إليه فلا يكون خالقا أنّ كلّ ما هو جرم فهو منهما وخالقهما ، وما فيهما هو اللّه فليس منهما حتى يرد عليه أنه إنما يدلّ على أنه ليس من السماوات والأرض ، فجاز أن يكون جسما من غيرها إلا أن يراد بالسموات والأرض جهة العلو والسفل كما قيل . قوله : ( منطيق مجادل ) منطيق بكسر الميم صيغة مبالغة كمنحار ، فهو دليل آخر على خالقيته ، وقدرته وهذا هو الوجه كما في شرح الكشاف ولذا قدّمه المصنف رحمه اللّه تعالى ، ووجه الاستدلال أنه كان نطفة