قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ
الباقين مع الكفرة لتهلك معهم ، وقرأ أبو بكر عن عاصم قدرنا هنا وفي النمل بالتخفيف ، وإنما علق والتعليق من خواص أفعال القلوب لتضمنه معنى العلم ، ويجوز أن يكون قدّرنا أجرى مجرى قلنا لأنّ التقدير بمعنى القضاء قول ، وأصله جعل الشيء على مقدار غيره ، وإسنادهم إياه إلى أنفسهم وهو فعل اللّه تعالى لما لهم من القرب والاختصاص به ،
فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
تنكركم نفسي ، وتنفر عنكم مخافة أن تطرقوني بشرّ
قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ
أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله ، بل جئناك بما يسرك ويشفي لك من عدوّك ، وهو العذاب الذي توعدتهم به ، فيمترون فيه
وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ
باليقين من عذابهم
وَإِنَّا لَصادِقُونَ
فيما
شرح
إلا عشرة إلا ثلاثة ، ثم إنّ كلامه مبنيّ على أمر ، ومانع معنويّ لا على عدم جواز تخلل كلام منقطع بين المستثنى ، والمستثنى منه كما قيل ، وإن كان مانعا أيضا كما صرح به الرضي فتدبر .
قوله : ( الباقين مع الكفرة الخ ) إشارة إلى ما ذكره الراغب من أنه من الغبرة ، وهي بقية اللبن في الضرع ومعناه الماكث بعد من مضى ، وقيل معناه من بقي ، ولم يسر مع قوم لوط عليه الصلاة والسّلام ، وقيل فيمن بقي في العذاب . قوله : ( وإنما علق والتعليق من خواص أفعال القلوب لتضمنه معنى العلم ) يعني علق عن العمل في قوله إنها الخ . إذا لم يصح لوجود لام الابتداء التي لها صدر الكلام ، والتضمين الظاهر أنّ المراد به المصطلح ، وقيل المراد به التجوّز عن معناه الذي كأنه في ضمنه لأنه لا يقدر إلا ما يعلمه ، وهو جائز وإذا أجرى مجرى القول لكون التقدير ، والقضاء يقتضي قولا يجوز أن يعمل عمله من غير تضمين . قوله : ( وإسنادهم إياه إلى أنفسهم ) يعني إذا كان من كلام الملائكة عليهم الصلاة والسّلام فإن كان من كلام اللّه تعالى كما قيل به لا يحتاج إلى تأويل ، وهذا يدل على أنّ المراد التضمين المصطلح إذ لو كان المراد به العلم مجازا لم يحتج إلى تأويل أيضا بحسب الظاهر ، وقوله لما لهم من القرب توجيه للإسناد المجازي فإنهم لقربهم من اللّه كقرب خاصة الملك به يجوز أن يسندوا لهم ما أسند إليه كما تقول حاشية السلطان أمرنا ورسمنا بكذا ، والآمر هو في الحقيقة . قوله : ( تنكركم نفسي وتنفر عنكم ) لما كان ظاهر قوله منكرون أنه لا يعرفهم وجوابهم بقولهم بل جئناك بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه ، والاضراب لا يوافقه ، ويطابقه جعله كناية عن أنكم قوم أخاف شركم لأنّ من أنكر شيئا نفر عنه ، وخاف منه فلذا أضربوا عنه بما ذكر أي ما جئناك لايصال شرّ إليك بل لتمشية أمرك ، وتعذيب أعدائك بما توعدتهم به ، وقوله ما جئناك بما تنكرنا لأجله فهو اضراب عن هذا المقدّر وباء بما يسرك للملابسة أو التعدية ، وقوله ويشفي لك أي يشفي ما بصدرك ، وقوله الذي توعدتهم به لو قال كنت توعدتهم به كان أولى ، ويمترون بمعنى يشكون أو يجادلون . قوله : ( باليقين من عذابهم ) يعني أنّ الحق بمعنى المتيقن المحقق ، والباء للملابسة أي ملتبسين بحق أو ملتبسا أنت به لابصاره ، ولو حمل على الخبر اليقين كان قوله : وإنا لصادقون مكرّرا . قوله : ( فاذهب بهم في الليل ) لأنّ الإسراء سير الليل خاصة وكذا السرى وفي