تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
المقصود ليس البشارة لأنهم كانوا عددا والبشارة لا تحتاج إلى العدد ، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم عليهما السّلام ، أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل ، ولو كانت تمام المقصود لابتدؤوا بها
قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ
يعني قوم لوط
إِلَّا آلَ لُوطٍ
إن كان استثناء من قوم كان منقطعا إذ القوم مقيد بالاجرام ،
شرح
بمعنى مطلق الكفر يقتضي المغايرة فإن أريد باليأس إنكار سعة الرحمة الذنوب ، وبالأمن اعتقاد أنه لا مكر فكل منهما كفر اتفاقا لأنه ردّ للقرآن وإن أريد استعظام الذنوب ، واستبعاد العفو عنها استبعادا يدخل في حدّ اليأس ، وغلبة الرجاء المدخل له في حدّ الأمن فهو كبيرة اتفاقا ا ه . قوله : ( فما شأنكم الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة ) إشارة إلى أنّ الخطب ، والشأن والأمر بمعنى لكن الخطب يختص بما له عظم ، وقوله والبشارة لا تحتاج إلى العدد قيل ، ولا التعذيب ألا ترى أنّ جبريل عليه الصلاة والسّلام قلب مدائنهم بأحد جناحيه ، وأورد على قوله ، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم أنّ قوله تعالى :فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى[ سورة آل عمران ، الآية : 39 ] يدل على أنّ المبشرين جميع الملائكة ، وأمّا مريم إنما جاءها لنفخ الروح والهبة كما يدلّ عليه قوله تعالى :لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً ،وقوله تعالى :فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا[ سورة التحريم ، الآية : 12 ] وأمّا التبشير فلازم لتلك الهبة ، وفي ضمنها وليست مقصودة بالذات فلا دلالة فيهما على أنّ الأصل في البشارة أن تكون بواحد ويدفع بأنّ المعنى أنّ العادة الجارية بين الناس ذلك فيرسل الواحد للبشارة ، والجمع لغيرها من حرب وأخذ ونحوه واللّه تعالى يجري الأمور للناس على ما اعتادوه فلا ترد قصة جبريل عليه الصلاة والسّلام في ذلك وإن قيل المراد من الملائكة في تلك الآية جبرائيل كما ذكره المفسرون كقولهم يركب الخيل ، ويلبس الثياب أي الجنس من ذلك الصادق بالواحد كما مرّ تحقيقه في سورة يوسف عليه الصلاة والسّلام ، وعلى ما ذكرناه لا حاجة إلى ما ذكره فإنه يعلم منه عدم وروده ، وأما كون بشارة الواحد توجد في ضمن بشارة الجمع فلا تنافي فمما لا يليق التفوّه به . قوله : ( ولو كانت تمام القصة لابتدؤوا بها ) قيل يخدشه قصة مريم قالت :إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا[ سورة مريم ، الآية : 18 ] قال إنما رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا فيجوز أن يكون قوله تعالى لا توجل تمهيدا للبشارة ، ولا يخفى عدم وروده فإنها لنزاهة شأنها أوّل ما أبصرته تمثلا عاجلته بالاستعاذة فلم تدعه يبتدئ بالبشارة بخلاف ما نحن فيه ، وهذا ظاهر لمن تدبره . قوله : ( إن كان استثناء من قوم كان منقطعا إذ القوم مقيد الخ ) كذا في الكشاف أيضا لأنه مستثنى من موصوف مقيد بتلك الصفة فلو أدخلوا فيه لكانوا متصفين بالاجرام ، وليس كذلك فتعين انقطاعه ، وأمّا احتمال تغليبهم على غير المجرمين فليس مقتضى المقام ولو سلم ، فالكلام بناء على كونه حقيقة ، ولا ينافي صحة الاتصال على تقدير آخر ، والعجب من بعض أرباب الحواشي أنه نقل عن بعض فضلاء عصره هنا اشكالا ادّعى أنه رفع
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 527 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي