أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ
تعجب من أن يولد له مع مس الكبر إياه ، أو إنكار لأن يبشر به في مثل هذه الحالة ، وكذلك قوله :
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
أي فبأي أعجوبة تبشروني ، أو فبأي شيء تبشروني ، فإن البشارة بما لا يتصوّر وقوعه عادة بشارة بغير شيء ، وقرأ ابن كثير بكسر النون مشدّدة في كل القرآن على إدغام نون الجمع في نون الوقاية ، وقرأ نافع بكسرها مخففة على حذف نون الجمع استثقالا لاجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية على الياء
قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ
بما يكون لا محالة أو باليقين الذي لا لبس فيه ، أو بطريقة هي حق ، وهو قول اللّه تعالى وأمره
فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ
من الآيسين من ذلك فإنه تعالى قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر ، وكان استعجاب إبراهيم
شرح
وليس كذلك إنما قاله عند امتناعهم من الأكل فالوجه هو هذا ، وسيأتي في الذاريات أنه وقع في نفسه عليه الصلاة والسّلام أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب ، وقد جعل البشارة هنا لإبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، وفي أخرى لامرأته ، ولكل وجهة فتدبر ، وقراءة لا تأجل بالألف بقلب الواو ألفا ، وقوله ولا توجل ولا تواجل بالمجهول ، والثاني من المفاعلة ، وقراءة حمزة بفتح النون من الثلاثيّ بمعنى المزيد ، وقوله إذا بلغ قيده به لأنّ تمام العلم الذي تفيده صيغة المبالغة به ، وقد فسر عليم بنبيّ فالتقييد عليه ظاهر . قوله : ( تعجب من أن يولد له مع مس الكبر ) إشارة إلى أنّ الاستفهام للتعجب ، وعلى بمعنى مع وقوله أو إنكار فالاستفهام للإنكار بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون ، وإنما أوّله لأنّ البشارة واقعة فلا يتأتى فهي الاستفهام الحقيقي . قوله : ( فبأي أعجوبة تبشروني أو فبأي شيء تبشروني ) الأوّل على أنّ الاستفهام للتعجب ، وعلى بمعنى مع ، والثاني على أنه للإنكار ففيه لف ونشر ، وقوله في كلّ القرآن قيل إنه سهو فإنه لم يقع تبشرون في غير هذه الآية ، واعتذر بأنه قراءة في أمثاله لا في عين هذه الكلمة ، وليس بشيء ، وقوله على حذف نون الجمع استثقالا الخ كأنه اختاره لأنّ فيه إعلالا واحدا ، وهو الحذف ، ولو حذفت نون الوقاية احتيج إلى كسر نون الجمع فيكون فيه إعلالان فلا يرد عليه أنّ المذكور في النحو وهو القياس أن المحذوف نون الوقاية مع أنّ المذكور هو مذهب سيبويه رحمه اللّه تعالى ، وكونه خلاف القياس لأن نون الرفع حذفت مع الجازم معارض بما مرّ ، وأمّا احتمال هذه القراءة لعدم الحذف بأن يكون اكتفى بكسر نون الجمع من أوّل الأمر فخلاف المنقول في كتب النحو ، والتصريف وإن ذهب إليه بعضهم ، وأجاب به عما أورد على قراءة نافع بحذف الياء من أنّ حذف الحرفين لا يجوز . قوله : ( ودلالة بإبقاء نون الوقاية على الياء ) اعترض أبو حاتم على هذه القراءة بأنّ مثله لا يكون إلا في الشعر وتجرأ على غلطه فيها وقال وكسر نون الرفع قبيح ، وهذا مما لا يلتفت إليه لأنّ حذف الياء في مثله اجتزاء بالكسرة كثير فصيح ، وقد قرئ به في مواضع عديدة . قوله : ( بما يكون لا محالة أو باليقين الذي لا لبس فيه الخ ) على الوجهين الأخيرين اقتصر الزمخشريّ ، والفرق بينهما أنّ الباء إمّا للتعدية كما في بشرته بقدوم زيد أو للآلة كضربه بالسوط فهي على الأوّلين للتعدية إلا أنّ الأوّل مبنيّ على أن الاستفهام للتعجب