من أتباعه في الكفر والفواحش فإنّ غيرها مكفرة ،
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
لكلّ واحد جنة وعين ، أو لكلّ عدّة منهما . كقوله :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ سورة الرحمن ، الآية : 46 ] وقوله :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
[ سورة محمد ، الآية : 15 ] الآية وقرأ نافع وحفص وأبو عمرو وهشام ، وعيون بضمّ العين حيث وقع ،
شرح
والثاني في ترتيب ما بعد الفرقة الأولى اختلاف في الرواية ، وجعل المنافقين في الدرك الأسفل لأنّ حالهم أشدّ من الكفار كما مر في البقرة وقوله جزء بالتثقيل أي بزاي مضمومة بعدها همزة ، والتخفيف تسكينها ، وقوله ثم الوقف عليه بالتشديد لأنه لغة كما بين في النحو . قوله :
( ومنهم حال منه ) أي من جزء ، وجاء من النكرة لتقدّمه ، ووصفها والظرف المراد به الجارّ ، والمجرور الواقع خبرا ، ولم يجعله صفة باب لأنه يقتضي أن يقال منها ، وتنزيلها منزلة العقلاء لا وجه له هنا ، ولذا فسر المصنف رحمه اللّه الضمير بالاتباع أي أتباع الشيطان الذين أغواهم ، وقوله لأنّ الصفة أي مقسوم لأنه صفة جزء ، ولو كان حالا من ضميره عمل في الحال لأنّ العامل في الحال هو العامل في صاحبها . قوله : ( من اتباعه في الكفر والفواحش فإنّ غيرها مكفرة ) الجارّ ، والمجرور متعلق بالمتقين والاتباع مصدر من الافتعال ، وفي الكفر متعلق به ، وأنت خبر غير لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه فالمراد بالفواحش الكبائر ، وغيرها الصغائر لأنها تكفر باجتناب الكبائر ، وتبع في هذا التفسير الزمخشريّ ، ولم يحمله على المتقين عن الكفر فقط ، ولم يلتفت إلى اعتراض الإمام عليه ، وغيره بأنه على مذهب المعتزلة في تخليد أصحاب الكبائر ، وتفسيرها بما ذكر مخالف لتفسير الجمهور المأثور عن الصحابة رضي اللّه عنهم ، والمتقي من اتصف بتقوى واحدة ، ولا يلزم اتصافه بجميع أنواعها كالضارب لا يفهم منه فعل جميع أنواع الضرب لأنّ السياق يدل على أنّ المتقين هم المخلصون السابق ذكرهم في قوله :إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ[ سورة الحجر ، الآية : 42 ] وهو معنى التقوى شرعا ، وأمّا إخراج العصاة من النار فثابت بنصوص أخر ، وكذا إدخال التائبين الجنة بل غيرهم كما هو مذهبنا فإن قلت كيف قلت إنّ غيرها من الصغائر يكفر حتى لا يكون صاحبها من الأجزاء المقسومة للنار إذا اجتنبت الكبائر ، وقد قال أهل الكلام أنه يجوز العقاب على الصغائر ، وإن اجتنبت الكبائر ، وما وجه التوفيق قلت هو وارد في الحديث الصحيح « 1 » ، وهو غني عن التوفيق لأنّ كلام أهل الكلام في تجويزه لتجويز عقاب المطيع ، وما في الحديث يدل على أنه لا يقع التفضل من اللّه إلا بعفوه ، ولا حاجة إلى حمله على صغيرة لم تقع بين الصلوات الخمس كما إذا صدرت عقب البلوغ فإنه تكلف مستغنى عنه مع أنّ الصغيرة قد يعرض لها ما يصيرها
هامش
( 1 ) يشير المصنف لما أخرجه الترمذي 2436 وابن ماجة 4310 وابن حبان 6467 والحاكم 1 / 69 والآجري في « الشريعة » ص 338 وأبو نعيم في الحلية 3 / 200 - 201 كلهم من حديث جابر ، وقال الترمذي : حديث حسن غريب ولفظه : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » .