المخاطبة وإن لم تكن بواسطة لم تدل على منصب إبليس ، لأنّ خطاب اللّه له على سبيل الإهانة والإذلال
قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
الباء للقسم ، وما مصدرية وجوابه
لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
والمعنى أقسم باغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور كقوله :
أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
[ سورة الأعراف ، الآية : 176 ] وفي انعقاد القسم بأفعال اللّه تعالى خلاف وقيل : للسببية والمعتزلة ، أولوا الأغواء بالنسبة إلى الغيّ ، أو التسبب له بأمره إياه
شرح
قوله : ( وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطة لم تدل على منصب إبليس ) أي شرفه لأنه في الأصل بمعنى الأصل ويستعار للشرف قال أبو تمام :ومنصب نماه * ووالد سما بهأي إنما تدل على ذلك لو لم تكن للإهانة وهي كذلك هنا ، وقوله وإن لم معطوف على مقدر أي إن كانت بواسطة ، وإن لم تكن لا تدل على الشرف ، وطوى الأوّل لظهوره على قاعدة أن الوصلية فمن قال الأولى حذف الواو لم يصب وقد ذهب بعض المفسرين إلى أنها بواسطة ملك . قوله : ( الباء للقسم الخ ) اختار الوجه الآتي في الأعراف ، ومرض القسمية ، وعكس هنا ، والقصة واحدة فالفرق بين المحلين تكلف لا حاجة إليه وكم في هذا الكتاب مثله ، وضمير لهم للذرية المفهوم من السياق ، وإن لم يجر له ذكر للتصريح في آية أخرى به كقوله :لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ[ سورة الإسراء ، الآية : 62 ] وقوله لأزينن لهم المعاصي إشارة إلى مفعوله المقدّر ، وقوله في الدنيا إشارة إلى أن المراد على هذا الوجه بالأرض معناها العرفي ، وهي دار الدنيا ، وما فيها من الشهوات الفانية ، وقد مر تفسيرها وذكرت بهذا اللفظ تحقيرا لها ، وترك الوجه الآخر المذكور في الكشاف ، وهو تنزيل الفعل منزلة اللازم ثم تعديته ، وأنّ المراد لأحسننّ الأرض ، وأزينها لهم حتى يشتغلوا بها عن الآخرة كما بين في شروحه . قوله : ( وفي انعقاد القسم بأفعال اللّه تعالى خلاف ) وقع في كتب الشافعية والحنفية ، والنزاع في أنه يمين يترتب عليها أحكامها من الكفارة ، وغير ذلك ، ولا خلاف في أنّ الحلف والقسم في عرف العرب يقع عليه ، وهو متعارف عندهم ، ولهذا ورد النهي عن الحلف بالآباء ، وعدّه الأصحاب مكروها فلذا قيل إنّ ما ذكره المصنف رحمه اللّه لا مساس له بالمقام ، وليس بشيء لأنه استطراد الكلام الفقهاء إلا أنّ الصفة إذا لم تشعر بتعظيم ويتعارف منها ليست بيمين عندهم ، وكلام المصنف رحمه اللّه موهم بأنّ الخلاف فيها مطلقا ، وكذا ما قيل إنّ أقسام إبليس بإغوائه بلا إنكار من اللّه يصلح دليلا للقائلين بجواز الحلف الشرعي بفعل من أفعاله تعالى فمساسه للمقام ظاهر فإنه كيف يصلح دليلا ، وليس محلا للنزاع عندنا ، وعندهم فتأمّل . قوله : ( وقيل للسببية ) قيل إنه أولى لأنه وقع في مكان آخر فبعزتك ، والقصة واحدة ، والحمل على محاورتين لا موجب له ، ولأنّ القسم بالإغواء غير متعارف ، ولعله لذلك رجح السببية في الأعراف ، وفيه نظر لأنّ قوله فبعزتك يحتمل القسمية ، وقد صرّح الطيبي رحمه اللّه بأنّ مذهب الشافعية أنّ القسم بالعزة ، والجلال يمين شرعا فكيف تكون تلك الآية مؤيدة لمدّعاه ، وهي