مَعَ السَّاجِدِينَ
أي ولكن إبليس أبى وإن جعل متصلا كان استئنافا على أنه جواب سائل ، قال : هلا سجد
قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ
أي غرض لك في أن لا تكون
مَعَ السَّاجِدِينَ
لآدم
قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ
اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني ، وينافي حالي أن أسجد
لِبَشَرٍ
جسماني كثيف ، وأنا ملك روحا ليّ
خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
وهو أخس العناصر ، وخلقتني من نار وهي أشرفها ، استنقص آدم باعتبار النوع والأصل ، وقد سبق الجواب عنه في سورة الأعراف
قالَ فَاخْرُجْ مِنْها
من السماء أو الجنة ، أو زمر
شرح
كذلك عند البصريين ، واستدلوا بقوله عز وجل :لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ[ سورة ص ، الآية : 82 ] فإنّ إغواءهم لم يكن في وقت واحد ورده المدقق في الكشف بأنّ الاشتقاق من الجمع يقتضيه لأنه ينصرف إلى أكمل الأحوال فإذا فهمت الإحاطة من لفظ آخر ، وهو كل لم يكن بدّ من كونه في وقت واحد ، وإلا كان لغوا والردّ بالآية منشؤه عدم تصور وجه الدلالة ، ومنه تعلم أنّ ما قاله المبرّد هو الحق الموافق لبلاغة التنزيل ، وقوله ومنع مجرور معطوف على التعميم .
قوله : ( إن جعل منقطعا اتصل به قوله أبي الخ ) وجه الانقطاع ظاهر لأنّ المشهور أنه ليس من جنس الملائكة ، والانقطاع يتحقق بأحد أمرين عدم دخوله في المستثنى منه أو في حكمه ، وما قيل إنه لو كان منقطعا لم يكن مأمورا بالسجود فلا يذم ، والاعتذار عنه بأنهم كانوا مأمورين ، واستغنى بذكر الملائكة عليهم الصلاة والسّلام عنهم ، وإنه معنى الانقطاع ، وتوجه اللوم من ضيق العطن كما مرّ تفصيله . قوله : ( أي ولكن إبليس الخ ) فإلا بمعنى لكن وإبليس اسمها ، وجملة أبي خبرها كذا في شرح الكشاف وسيأتي ما فيه ، وقوله وإن جعل متصلا إمّا بأن يكون ملكا أو الجنّ من جنس الملائكة أو غيرهم ، ولكنه داخل فيهم على طريق التغليب كما مرّ ، وجملة أبي حينئذ مستأنفة استئنافا بيانيا ، وقوله أيّ غرض لك في أن الخ أي هو على تقدير حرف الجرّ ، والغرضية من اللام ، وقوله اللام لتأكيد النفي كما قرّرناه في لام الجحود ، وتفسير نفي كان بنفي الصحة هو أحد استعمالاته ، ومن قال إنه لزمه لا لأنّ نفي السجدة كناية عن نفي الصحة بناء على عدم صلوحه للجواب بل بيان لأنّ الجواب لم أكن مع ما بعده لا وجه له ، وقوله وخلقتني من نار إشارة إلى مراده بدليل بيان مادّة آدم ، وقوله قبله من نار السموم ، وقوله وأناملك إشارة إلى وجه الاتصال على قول . قوله : ( باعتبار النوع والأصل الخ ) يعني قوله بشر ، ومن صلصال ومرّ في الأعراف أنّ إبليس مخطئ فإنه رأى الفضل كله باعتبار العنصر ، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله :ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ[ سورة ص ، الآية : 75 ] أي بغير واسطة ، وباعتبار الصورة كما نبه عليه بقوله ، ونفخت فيه من روحي ، وباعتبار الغاية ، وهو ملاكه . قوله : ( من السماء ) هذا هو الظاهر ، ولذا قدّمه ، وقوله أو الجنة قيل لقوله :اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ[ سورة البقرة ، الآية : 35 ] ولوقوع الوسوسة فيها وردّ بأنّ وقوعها كان بعد الأمر بالخروج من السماء أو من زمر الملائكة عليهم الصلاة والسّلام ، ويلزم منه خروجه من السماء إذ كونه بانزوائه عنهم في جانب لا يعدّ خروجا في المتبادر ،