خلقته وهيأته لنفخ الروح فيه
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
حتى جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي ، وأصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر ، ولما كان الروح يتعلق أوّلا بالبخار اللطيف المنبعث من القلب ، وتفيض عليه القوّة الحيوانية فيسري حاملا لها في تجويف الشرايين إلى أعماق البدن ، وجعل تعلقه بالبدن نفخا وإضافة الروح إلى نفسه ، لما مرّ في النساء .
فَقَعُوا لَهُ
فأسقطوا له
ساجِدِينَ
أمر من وقع يقع
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم ، ومنع التخصيص ، وقيل أكد بالكل للإحاطة ، وبأجمعين للدلالة على أنهم سجدوا مجتمعين دفعة ، وفيه نظر إذ لو كان الأمر كذلك كان الثاني حالا لا تأكيدا
إِلَّا إِبْلِيسَ
أن جعل منقطعا اتصل به قوله :
أَبى أَنْ يَكُونَ
شرح
الحشر لكن المقدّم حق فالتالي مثله فإمكان الحشر يتوقف على أمرين قابلية الأجزاء للجمع ، والأحياء ، وعلمه تعالى بها ، وقدرته على جمعها ، وإحيائها ففي الآية دليل على كلا الأمرين كما أشار إليه لكنه أطلق المقدّمة الثانية على قبول الأجزاء للجمع والأحياء تقديما لشمول العلم ، وعموم القدرة في النظر ، والاعتبار لكونه الأصل ، وجعل كمال قدرته مقدمة أولى مع أنه لا بدّ من عموم علمه أيضا لانطوائه فيه ، واستلزامه كما نبه عليه أيضا بقوله ما يدل على كمال قدرته دليل على عموم علمه كذا قرّره الفاضل المحشي ، وقيل إنه تكلف لا حاجة إليه فإنه إمّا قياس استثنائي استثنى فيه عين المقدّم هكذا كلما أمكن جمع الأجزاء على ما كانت عليه ، وإعادة الحياة فيها أمكن الحشر أو اقتراني هكذا أجزاء الموتى تقبل الجمع ، والحياة ، وكلّ ما كان شأنه ذلك أمكن حشره فالمنبه عليه المقدّمة الأولى دون الثانية ، والمطلوب إمكان الحشر لا وقوعه ، وقوله وهو قبول الخ الضمير للمقدمة وذكر باعتبار الخبر أو لتأويلها بجزء الدليل . قوله : ( حتى جرى آثاره ) فجعل الروح منفوخا فيه مجاز عن جريان أثره فإنها مجردة ، وتجاويف جمع تجويف ، والمراد به المجوّف ، وقوله إجراء الريح أي من الفم أو غيره ، وهذا معنى عرفي لا لغويّ ، وقوله ولما كان الروح أي النفس الناطقة ، وهذا كلام الفلاسفة ، وكثيرا ما يعوّل عليه والبخار اللطيف يسمى روحا عند الأطباء ، وهو في أحد تجويفي القلب فإنّ له تجويفا في جانبه الأيسر ينجذب إليه دم لطيف يحصل منه بخار لطيف في الجانب الآخر بواسطة حرارته ، وهذا البخار تتعلق به النفس الناطقة أوّلا ، وقوله المنبعث أي الخارج منه إلى الدماغ ، وغيره وضمير وتفيض للروح ، وقوله حاملا لها لتلك القوّة ، وفي تجاويف متعلق بيسرى ، والشرايين العروق النابضة حينئذ جمع شريان ، وغيرها تسمى أوردة . قوله : ( لما مرّ في النساء ) لأنه خلقها من غير واسطة تجري مجرى الأصل ، والمادّة أو الإضافة للتشريف فتخصيص الروح الإنسانية لا يحتاج إلى مخصص كما قيل . قوله : ( أمر من وقع يقع ) كان الظاهر تقديمه على ساجدين ، واعتذر بأن السجود لما كان بيانا لكيفية الوقوع هنا قدّمه عليه .
قوله : ( أكد بتأكيدين الخ ) في التسهيل لا تعرض في أجمعين إلى اتحاد الوقت بل هو ككلّ في إفادة المعموم مطلقا خلافا للفراء فإنه زعم أنه يفيد مع التأكيد الاجتماع في وقت واحد ، وليس