الاحتجاج على كمال قدرته ، فإن ما يدل على قدرته دليل على علمه ، وقيل رغب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الصف الأوّل فازدحموا عليه فنزلت ، وقيل : إنّ امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتقدّم بعض القوم لئلا ينظر إليها وتأخر بعض ليبصرها فنزلت :
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ
لا محالة للجزاء وتوسيط الضمير للدلالة على أنه القادر والمتولي لحشرهم لا غير ، وتصدير الجملة بانّ لتحقيق الوعد ، والتنبيه على أنّ ما سبق من الدلالة على كمال قدرته ، وعلمه بتفاصيل الأشياء يدلّ على صحة الحكم ، كما صرّح به بقوله :
إِنَّهُ حَكِيمٌ
باهر الحكمة متقن في أفعاله
عَلِيمٌ
وسع علمه كلّ شيء
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ
طين يابس يصلصل ، أي يصوّت إذا نقر ، وقيل هو من صلصل إذا أنتن
شرح
علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته ) بما مرّ كما صرّح به في تفسير قوله تعالى :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُوقوله فإنّ ما يدل على قدرته دليل على علمه بيان لوجه تعقيبه لأنّ القادر على كل شيء لا بدّ له من علمه بما يصنعه ، وكونه بيانا لكمال علمه على هذا الوجه ، وأمّا على الوجهين الأخيرين فالمعنى يجزيهم على قدر نياتهم كما أشار إليه بقوله يحشرهم لا محالة للجزاء . قوله : ( وقيل رغب رسولي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الصف الخ ) قال السيوطيّ : لم أقف عليه ، وقوله : ( أن امرأة حسناء ) « 1 » أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما . قوله : ( وتوسيط الضمير للدّلالة الخ ) جعل الضمير للحصر ، وقد مرّ الكلام عليه ، وقيل عليه إنه في مثله يكون الفعل مسلم الثبوت ، والنزاع في الفاعل ، وهاهنا ليس كذلك فالوجه جعله لإفادة التقوى ، وهذا في القصر الحقيقي غير مسلم كما صرّح به المطوّل . قوله : ( وتصدير الجملة بأنّ لتحقيق الوعد والتنبيه الخ ) كما نبه عليه بقوله لا محالة ، وفائدة الإعادة بناء قوله ، والتنبيه الخ . عليه والمراد بالوعد وعدهم بالحشر ، والجزاء ، وقوله يدلّ على صحة الحكم أي بالحشر ، وقوله كما صرّح به أي بالدلالة على كمال قدرته ، وعلمه ، وذكره لأنّ تأنيث المصدر غير معتبر ، وقوله أنه حكيم الخ . جملة مستأنفة لتعليل ما قبله ، وباهر الحكمة أي عالم بالأشياء على ما هي عليه وفاعل لها كما ينبغي ، وقوله متقن في أفعاله تأكيد له باعتبار جزء معناه . قوله : ( طين يابس يصلصل ) أي يصوّت إذا نقر كذا نقله في الدرّ المصون عن أبي عبيدة رحمه اللّه تعالى ، وهو محصل ما في الكشاف وناهيك بهما إمامان في اللغة ، وكذا فسره الراغب فمن قال إني لم أجده في اللغة لم
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 3122 والنسائي 2 / 118 وابن ماجة 1046 وأحمد 1 / 305 وابن حبان 401 والحاكم 2 / 353 والطيالسي 2712 والبيهقي 3 / 98 كلهم عن ابن عباس من طريق نوح بن قيس الحداني .
قال الترمذي : روى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء نحوه ولم يذكر فيه عن ابن عباس مرفوعا وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح .
وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي وقال : قال الفلاس : لم يتكلم أحد في نوح بن قيس بحجة قلت هو صدوق ، خرج له مسلم .