من السحر
وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً
اثني عشر مختلفة الهيئات والخواص على ما دل عليه الرصد ، والتجربة مع بساطة السماء
وَزَيَّنَّاها
بالأشكال والهيئات البهية
لِلنَّاظِرِينَ
المعتبرين المستدلين بها على قدرة مبدعها وتوحيد صانعها
وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
فلا يقدر أن يصعد إليها ، ويوسوس أهلها ، ويتصرّف في أمرها ، ويطلع على أحوالها
إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ
بدل من كل شيطان واستراق السمع اختلاسه سرّا ، شبه به خطفتهم اليسيرة
شرح
أي ما ذكرناها إلا للذة ، وأجاب بأنّ الكلام فيما إذا كان القصر مستفادا من إنما ، وهذا ليس كذلك وجوابه غير مسلم فإنه قال في عروس الأفراح إنّ هذا الحكم غير مسلم فإنّ قولك إنما قمت معناه لم يقع إلا القيام فهو لحصر الفعل ، وليس بأخير ، ولو قصد حصر الفاعل لانفصل ، ثم أورد أمثلة متعدّدة من كلام المفسرين تدل على خلاف ما قاله أهل المعاني في هذه المسألة فالظاهر أنّ الزمخشريّ لا يرى ما قالوه مطردا ، وهم قد غفلوا عن مراده هنا ، وقيل إنه يجوز أن يعتبر الحصر بعد اعتبار إسناد التسكير إلى الأبصار فيكون من قبيل قصر الموصوف على الصفة قصرا إضافيا أي الواقع تسكير أبصارنا لا أنه كذلك حقيقة ، وهذا لا محصل له ، ومعنى الإضراب جعل الأوّل في حكم المسكوت عنه دون النفي ، ويحتمل الثاني فالإضراب لأنّ هذا ليس بواقع في نفس الأمر بل بطريق السحر ، أو هو باعتبار ما تفيده الجملة من الاستمرار الذي دلت عليه الاسمية أي مسحوريتنا لا تختص بهذه الحالة بل نحن مستمرّون عليها في كل ما يرينا من الآيات ، وقوله على البت بالتاء المثناة الفوقية أي القطع ، وغير ما في الكشاف لما سمعته . قوله : ( اثني عشر مختلفة الهيئات الخ ) يعني الحمل وما بعده ، واختلاف الخواص لاختصاص بعضها بالربيع ، وبعضها بالصيف ، وبعضها بالخريف ، وبعضها بالشتاء ، وتفاوت الهواء حرارة ، وبرودة ، ونحوه وقوله مع بساطة السماء أي كونها متماثلة في الصورة ، والحقيقة ، واختلاف الخواص مع التماثل يدل على خالق قدير حكيم ، وتفسير البروج بما ذكر قول ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وهو المشهور وسيأتي في سورة البروج تفسيرها بالكواكب العظام ، وما دل عليه الرصد راجع إلى الهيئات ، والتجربة راجع إلى الخواص والرصد بمعناه المعروف عند أهل الهيئة ، وبساطتها مما اتفق عليه الحكماء ، وأصحاب الرياضات . قوله :
( بالأشكال والهيئات البهية ) جعل الضمير راجعا إلى السماء لئلا تنتشر الضمائر ، وقيل إنه للبروج ، وقوله المعتبرين جعل النظر بمعنى الأبصار لأنه المناسب للتزيين ، ثم أشار إلى أنه كناية عن الاعتبار ، والاستدلال بالأثر على المؤثر ومنهم من فسّره بالمستدلين ، ويناسبه ما وقع في بعض النسخ للمعتبرين باللام الجارة ، ولو أسقط قوله يوسوس أهلها ، ويتصرّف في أمرها كان أولى . قوله : ( بدل من كل شيطان ) أي بدل بعض من كل فإن قلت لا بدّ مع بدل البعض من ضمير يربطه ، والبدل يشارك المبدل منه في معنى العامل ، وهما هنا مختلفان نفيا ، وإثباتا قلت أجاب عن هذا أهل العربية بأن إلا رابطة ، وإذا ظهر الربط استغني عن الضمير ، وبأن اختلاف التابع ، والمتبوع بما ذكر لا ينافي التبعية كما في مررت برجل لا ظريف ، ثم إنه