سُكِّرَتْ أَبْصارُنا
سدّت عن الأبصار بالسحر من السكر ، ويدل عليه قراءة ابن كثير بالتخفيف ، أو حيرت من السكر ، ويدل عليه قراءة من قرأ سكرت ،
بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
قد سحرنا محمد بذلك كما قالوه ، عند ظهور غيره من الآيات ، وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالة على البت بأنّ ما يرونه لا حقيقة له ، بل هو باطل خيل ما خيل إليهم بنوع
شرح
( سدّت عن الأبصار بالسحر الخ ) قال الراغب السكر حالة تعرض بين المرء وعقله ، وأكثر ما يستعمل في الشراب المسكر ، وقد يكون من الغضب ، والعشق قال الشاعر :سكران سكر هوى وسكر مدامة * أنى يفيق فتى به سكرانوالسكر بفتحتين ما يسكر ، والسكر بالسكون حبس الماء بالسدّ ، والسكر بالكسر الموضع المسدود ، ولذا يطلق على الجسر فسكرت هنا قيل إنه من السكر بالضم ، وقيل من السكر بالكسر والفتح ، وقال ابن السيد السكر بالفتح سدّ الباب ، والنهر وبالكسر السدّ نفسه ، ويجمع على سكور قال الرفاء رحمه اللّه تعالى :غناؤنا فيه ألحان السكور إذا * قل الغناء ورنات النواعيرفقوله سدّت الخ إشارة إلى القول بأنه من السكر بالفتح ، والكسر بمعنى السدّ بالمعنيين بيان للاشتقاق أي سدّت أبصارنا بسحر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على زعمهم ، وقوله عن الأبصار بكسر الهمزة متعلق بسدّت أي منعت من الأبصار حقيقة ، وما نراه تخيل لا حقيقة له ، وقوله ويدل عليه قراءة ابن كثير بالتخفيف أي والباقون بالتشديد ، ووجه الدلالة عليه أنّ سكر المخفف المتعدّي اشتهر في معنى السدّ ، وقوله أو حيرت بالبناء للمجهول إشارة إلى القول الثاني بأنه من السكر ضدّ الصحو ، والتشديد فيه للتعدية لأنّ سكر لازم في الأشهر وقد حكي تعديه فيكون للتكثير ، والمبالغة ، ووجه دلالة قراءة سكرت كفرحت عليه أنّ الثلاثيّ اللازم مشهور فيه ، ولأنّ سكر بمعنى سدّ المعروف فيه فتح الكاف ، وعلى هذا فسكرت أبصارنا استعارة ، وأمّا على الأوّل فالظاهر أنه حقيقة ، وقيل إنه استعارة أيضا . قوله : ( قد سحرنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك ) أي بسكر أبصارنا أو بما نراه فالباء للسببية أو للملابسة . قوله : ( وفي كلمتي الحصر والإضراب الخ ) بين الزمخشريّ الحصر بقوله يبتون القول بأنّ ذلك ليس إلا تسكيرا وتبعه بعض المتأخرين ، وأورد عليه العلامة أنّ إنما تفيد الحصر في المذكور آخرا فيكون الحصر في الأبصار لا في التسكير فكأنهم قالوا سكرت أبصارنا لا عقولنا فنحن ، وإن تخيلنا هذه الأشياء بأبصارنا لكن نعلم بعقولنا إنّ الحال بخلافه ، ثم أضربوا عن الحصر في الأبصار وقالوا بل تجاوز ذلك إلى عقولنا ، وكذا قال الإمام أيضا : وهذا مبنيّ على أن تقديم المقصور على المقصور عليه لازم ، وخلافه ممتنع ، وقد قال المحقق في شرح التلخيص إنه يجوز إذا كان نفس التقديم مفيدا للقصر كما في قولنا إنما زيدا ضربت فإنه لقصر الضرب على زيد قال أبو الطيب :أساميا لم تزده معرفة * وإنما لذة ذكرناها