من قطان السماوات لما بينهم من المناسبة في الجوهر ، أو باستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها ، وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنهم كانوا لا يحجبون عن السماوات ، فلما ولد عيسى عليه الصلاة والسّلام منعوا من ثلاث سماوات ، فلما ولد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم منعوا من كلها بالشهب ، ولا يقدح فيه تكوّنها قبل المولد ، لجواز أن يكون لها أسباب أخر وقيل الاستثناء منقطع ، أي ولكن من استرق السمع
فَأَتْبَعَهُ
فتبعه ولحقه
شِهابٌ مُبِينٌ
ظاهر
شرح
اعترض على البدلية بأنها يشترط فيها أن تكون في كلام غير موجب ، وهذا مثبت ، ودفع بأنه في تأويل المنفي كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه بتفسير حفظنا بلا يقدرون ، وأورد عليه أمران الأوّل أنّ تأويل المثبت بالمنفي في غير أبي ومتصرفاته غيره مقيس ، ولا حسن فلا يقال مات القوم إلا زيد بمعنى لم يعيشوا ، وقد يدفع بأنّ المصنف رحمه اللّه تعالى لا يسلم ذلك ، ويدل عليه قول النحاة بعد نفي صريح أو مؤوّل مع أنّ المصنف رحمه اللّه مسبوق به فالعهدة فيه على قائله الثاني أنه على هذا يكون الاستثناء متصلا فيقتضي أنهم أي المسترقين يوسوسون لأهلها ويتصرفون فيها ، وتقدير حفظناها من قرب كل شيطان كما قيل لا يطابق كلام المصنف رحمه اللّه فالوجه جعله استثناء منقطعا ، وقد يدفع بأنه يكفي للاتصال دخوله في كل شيطان ، وكونه غير محفوظ عنه في الجملة كما يشهد له تفسير الاستراق ، والتصريح بالخطفة في آية أخرى على أنّ الواو في قوله ويوسوس وما بعده بمعنى أو فتأمل . قوله : ( واستراق السمع اختلاسه سرا الخ ) وهو المراد بالخطفة في الآية الأخرى وقوله شبه إشارة إلى أنه استعارة ، وقطان جمع قاطن ، وهو الساكن والمراد بالسمع المسموع ، وقوله لما بينهم من المناسبة في الجوهر أي في جنسه لا نوعه لأنّ الملائكة عليهم الصلاة والسّلام من نور ، والشياطين من نار على ما حققه المصنف رحمه اللّه في سورة البقرة ولاختلاف النوع لا يقدرون على الاستماع ، وتلقي الوحي ، وإنما يخطفون خطفات يخلطون فيها فلا ينافي هذا قوله تعالىإِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَفي الشعراء ، وقول المصنف رحمه اللّه هناك أنّ السمع مشروط بمشاركتهم في صفات الذات ، وقبول فيضان الحق ، والانتقاش بالصور الملكوتية ، ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات لا تقبل ذلك ، وأمّا كون المراد بالسمع ثمة سمع القرآن ، وهو مشروط بما ذكر فلا حاجة إليه لأنّ الشرط المذكور ينافيه ، وقوله هنا الجوهر ، وثمة صفات الذات صريح فيما قرّرناه لكن الكلام في أنّ الاستراق يقتضي مناسبة الجواهر ، والسمع التامّ يقتضي المشاركة المذكورة فإنه لا يتمشى على أصول الشرع ، وكأنها من همزات الفلاسفة ، وأما كون تلقيهم ما ذكر من الأوضاع الفلكية فمخالف لصريح النظم والأحاديث مع أنه يقتضي أن يكون قطان السماء بمعنى الكواكب ، وشموله لشياطين الأنس من المنجمين . قوله : ( ولا يقدح فيه تكونها قبل المولد ) أي لا يقدح في كلام ابن عباس رضي اللّه عنهما بكون الشهب قبل مولد عيسى عليه الصلاة والسّلام ، ومشاهدة انقضاضها لأنه يجوز أن يكون لأسباب أخر ، وهو دفع لما قاله بعض الطاعنين في التنزيل . قوله : ( وقيل الاستثناء منقطع الخ ) فمن في محل رفع بالابتداء ، وخبره