تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
جزاءه ، والغرض إقناط الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من إرعوائهم ، وإيذانه بأنهم من أهل الخذلان ، وأن نصحهم بعد اشتغال بما لا طائل تحته ، وفيه إلزام للحجة وتحذير عن إيثار التنعم ، وما يؤدّي إليه طول الأمل
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ
أجل مقدّر كتب في اللوح المحفوظ ، والمستثنى جملة واقعة صفة لقرية ، والأصل أن لا تدخلها الواو كقوله : إلا لها منذرون ، ولكن المشابهة صورتها صورة الحال أدخلت عليها تأكيدا للصوقها بالموصوف
ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ
أي وما يستأخرون عنه ، وتذكير ضمير أمّة للحمل على المعنى
وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
نادوا به النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على التهكم ألا ترى إلى ما نادوه له وهو قوله :
إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
ونظير ذلك قول فرعون :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
[ سورة الشعراء ، الآية : 27 ] والمعنى إنك لتقول قول المجانين حين
شرح
بمعنى انزجارهم ، وانكفافهم عن القبيح . قوله : ( وإيذانه بأنهم من أهل الخذلان الخ ) إشارة إلى أنّ الأمر ليس على حقيقته بل للتخلية بينهم ، وبين ما هم عليه لأنهم مخذولون مأيوس منهم وإلزام الحجة لأنّ من أنذر فقد أعذر ، وقوله أجل مقدّر إشارة إلى أنّ الكتاب بمعنى لأجل المكتوب ، ولذا قال بعده ما تسبق من أمّة أجلها دون كتابها . قوله : ( والمستثنى جملة واقعة صفة لقرية الخ ) اختلف في إعراب هذا ، ونحوه فمنهم من أعربه حالا ، ولا يلزم تقدّمها لكون صاحبها نكرة لأنها واقعة بعد النفي وهو مسوغ لمجيء الحال منها لأنه في معنى الوصف ، ولأن التفريغ يقع في الحال عند أهل العربية ، وأمّا في الصفة فذهب أكثرهم إلى منعه ، وإلى هذا ذهب أكثر النحويين ، وأهل المعاني ، وذهب الزمخشريّ ، وأبو البقاء ، وتبعهم المصنف رحمه اللّه تعالى إلى أنّ هذه الجملة صفة ، وأنها يجوز أن تقترن بالواو كالحال لأنها في معناها فتوسطت الواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف ، وقال أبو حيان رحمه اللّه تعالى أنه لم يسبقه إليه أحد من النحويين حتى جعله السكاكيّ سهوا منه ، وليس كما قال : فإنه كما في الدرّ المصون سبقه إليه ابن جنيّ ، وناهيك به من مقتدى بل جعله في الكشف مذهب الكوفيين فإنهم يجوّزون زيادة الواو مطلقا ويؤيده أنّ ابن أبي عبلة قرأ بإسقاطها ، وقوله إلا لها منذرون الخ منذرون إمّا فاعل الظرف أو مبتدأ مؤخر ، وعلى الأوّل لا يقترن بالواو ، ومثل بعضهم له بهذه الآية ، وهو سهو منه . قوله : ( من أمّة أجلها ) من مزيدة في سياق النفي ، وقد روعي في ضمير أمّة لفظها أوّلا في قوله أجلها ثم روعي معناها لأنها في معنى الجمع ، وضمير أمّة في لفظ يستأخرون . قوله : ( نادوا به النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على التهكم الخ ) لأنهم لا يعتقدون إنزال الذكر عليه فإذا كان النداء منهم فلا بدّ من حمله على التهكم ، وأمّا إذا كان من كلام اللّه تعالى تبرئة له عما نسبوه إليه من أوّل الأمر لم يكن تهكما لكنه قيل إنه لا يناسب قوله إنا نحن نزلنا الذكر فإنه ردّ لإنكارهم ، واستهزائهم صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولعلّ من يراه يجعل الاستهزاء من قوله تعالى :إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ[ سورة الحجر ، الآية : 6 ] لا من هذا فتأمّل . قوله : ( والمعنى أنك لتقول قول المجانين ) إشارة إلى
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 497 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي