ومعنى التقليل فيه الإيذان بأنهم لو كانوا يودّون الإسلام مرّة ، فبالحريّ أن يسارعوا إليه فكيف وهم يودّونه كلّ ساعة ، وقيل تدهشهم أهوال القيامة فإن كانت منهم إفاقة في
شرح
وأخرج ابن عساكر رحمه اللّه تعالى عن الأصمعي قال لما قرأ أبو عمرو رحمه اللّه تعالى إلا من اغترف غرفة قال له الحجاج ائتني بنظير لها من كلام العرب وإلا ضربت عنقك فهرب منه فبينما هو مهموم إذ سمع أعرابيا ينشد هذه الأبيات فقال له ما وراءك يا أعرابيّ قال مات الحجاج قال فلا أدري بأيهما أفرح بموت الحجاج أو بقوله فرجة لأني كنت أطلب شاهد الاختيار هذه القراءة ومنه تعلم أنّ الرواية فيه ضم الفاء . قوله : ( ومعنى التقليل فيه الإيذان بأنهم لو كانوا يودّون الإسلام الخ ) جواب عن سؤال مقدّر وهو أنّ الظاهر أنّ الودادة وقعت منهم كثيرا والسؤال إنما يرد بناء على أنها موضوعة للتقليل وقيل إنها موضوعة للتكثير وقيل إنها مشتركة بينهما والمصنف رحمه اللّه تعالى ذهب إلى أنها موضوعة للتقليل وأنّ مقتضى المقام التكثير ولكن عدل عنه لما ذكر وهو بعينه ما في الكشاف وذهب المدقق في الكشف إلى أنه من استعارة أحد الضدّين للآخر للمبالغة وهي لا تختص بالتهكم والتمليح على ما يوهمه ظاهر كلام المفتاح كالمفازة للتفاؤل ثم إنه قد يختص موقعها بفائدة زائدة كما ذكر وليس استفادة ما ذكر بطريق الكناية الإيمائية كما توهم بل هو من فوائد الاستعارة على ما سيفصل في سورة التكوير وتبعه بعضهم في شرح كلام المصنف رحمه اللّه تعالى ورد بأنّ مراده أنّ التقليل ليس مقصودا حقيقة بل مجرّد الإخبار بوقوع الودادة وفائدة صيغة التقليل ما ذكره من النكتة وليس استعارة ولك أن تقول التقليل إنما هو بالنسبة إلى إظهار الودادة لا إلى نفس الودادة وليس بشيء لأنه لم يبين كيفية دلالته على المعاني المذكورة ولعله من قبيل الكناية الإيمائية وإيضاحها ما أشار إليه في الانتصاف بقوله إنّ العرب تعبر عن المعنى بما يؤدّي عكس مقصوده كثيرا كقوله تعالىوَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْوقد اختلف توجيه علماء البيان لذلك فمنهم من وجهه بما ذكره الزمخشري من التنبيه بالأدنى على الأعلى ومنهم من وجهه بأنّ المقصود في ذلك الإيذان بأنّ المعنى قد بلغ الغاية حتى كاد أن يرجع إلى الضدّ وذلك شأن كل ما بلغ نهايته أن يعود إلى عكسه وقد أفصح عنه أبو الطيب بقوله :ولجدت حتى كدت تبخل حائلا * للمنتهى ومن السرور بكاءوكلا الوجهين يحمل الكلام على المبالغة بنوع من الإيقاظ إليها والعمدة في ذلك على سياق الكلام لأنه إن اقتضى تكثيرا قد خلت عنه العبارة وفيه عبارة يشعر ظاهرها بالتقليل استيقظ السامع لأنّ المراد المبالغة على إحدى الطريقتين المذكورتين وللكلام في تحقيقه محال ولعلّ النوبة تفضي إليه فقد تلخص منه أنه إمّا استعارة ضدّية أو كناية إيمائية والوجه الآتي يبقيه على حقيقته كما ستراه ففي مثله ثلاثة أوجه وفي المطول فيه كلام لولا خوف الإطالة أوردناه وقوله فبالحريّ بالحاء المهملة وتشديد الياء كحقيق وزنا ومعنى وأن يسارعوا مبتدأ وبالحريّ خبره وهو مصدر والباء غير زائدة بل للملابسة أي المسارعة ثابتة بالوجه الحق فإن كان صفة