النفس من الملكات الرديئة ، والهيئات الوحشة فيجلب إليها أنواعا من الغموم والآلام ، وعن يعقوب قطرآن والقطر النجاس أو الصفر المذاب ، والآني المتناهي حرّه ، والجملة حال ثانية أو حال من الضمير مقرّنين
وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ
وتتغشاها لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق ، ولم يستعملوا في تدبره مشاعرهم وحواسهم التي خلقت فيها لأجله ، كما تطلع على أفئدتهم لأنها فارغة من المعرفة ، مملوءة بالجهالات ونظيره قوله :
أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ
شرح
والزفت نوع منه كما شاهدناه في الديار التي يصنع فيها ، وقوله فتهنأ بضم التاء الفوقية ، وسكون الهاء ، وفتح النون وفي آخره همزة مقصورة من الهناء كالطلاء لفظا ومعنى ، ومنه المثل يضع الهناء مواضع النقب لمن يضع الشيء في محله ، وهو معروف ، وقوله كالقميص إشارة إلى أنّ سرابيلهم من التشبيه البليغ وقيل إنه استعارة هنا ، وفيه نظر ، وقوله ووحشة لونه أي قباحته ، وهو استعمال عامّي يقولون فلان وحش أي قبيح كما قال بعض المتأخرين رحمه اللّه تعالى عليهم :ووحشة بيننا يحرّكها * مرّ النوى فهي دائما وحشةوكذا ما في قوله من الهيئات الوحشة بكسر الحاء صفة منه ، وأصل معنى الوحشة الانفراد ، والهمّ من الوحش ، وهو القفر ، وقوله التفاوت بين القطرانين أي قطران الدنيا ، والآخرة . قوله : ( ويحتمل أن يكون تمثيلا لما يحيط بجوهر النفس الخ ) فشبه النفس المتلبسة بالملكات الرديئة كالكفر ، والجهل ، والعناد والغباوة بشخص لبس ثيابا من زفت ، وقطران ، ووجه الشبه تحلى كل منهما بأمر قبيح مؤذ لصاحبه يستنكره عند مشاهدته ، ويستعار لفظ أحدهما للآخر استعارة تمثيلية مركبة ، وقوله فيجلب الخ إشارة لوجه الشبه . قوله : ( وعن يعقوب ) أي روي عن يعقوب رحمه اللّه تعالى ، وهو أحد القرّاء المعروفين أنه قرأ من قطران على أنهما كلمتان منونتان أولاهما قطر بفتح القاف ، وكسر الطاء كما في الدرّ المصون وهو النحاس مطلقا أو المذاب منه ، وآن بوزن عان بمعنى شديد الحرارة كقوله :وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ[ سورة الرحمن ، الآية : 44 ] ويقال فيه قطر بكسر فسكون ، والصفر بضم الصاد المهملة ، وسكون الفاء نوع من النحاس . قوله : ( والجملة حال ثانية أو حال من الضمير في مقرّنين ) أي جملة سرابيلهم من قطران حال ثانية من المجرمين ، والحال الأولى مقرّنين ، وهذا إذا كان في الأصفاد متعلق بمقرّنين ، وإلا فهي ثالثة أو هي حال من الضمير المستتر في مقرّنين فهي حال متداخلة ، وجوّز فيها أن تكون مستأنفة ، وحالا من نفس مقرّنين ، وكونها حالا ، وهي اسمية غير مقترنة بالواو بناء على غير مختاره أو على تأويلها بمفرد أي متسربلين ، وقد أشبعنا الكلام فيه في سورة الأعراف ، وما ذكرناه هو ما ذكره المعربون ، وكلام المصنف رحمه اللّه ظاهر فيه ، وقيل إنه يعين أنها حال ثانية من ضمير مقرّنين ، والأولى في الأصفاد أو حال ابتدائية منه ، وفي الأصفاد ظرف لغو متعلق به فقوله من الضمير تنازع فيه حال ، وحال . قوله : ( وتتغشاها ) عطف تفسير ، وفي نسخة أي ، وذكر وجه النص على تعذيبها لأنها لم تسجد للّه ، ولم تعمل الحواس