ترى فيها عوجا ولا أمتا ، واعلم أنه لا يلزم على الوجه الأوّل أن يكون الحاصل بالتبديل أرضا وسماء على الحقيقة ، ولا يبعد على الثاني أن يجعل اللّه الأرض جهنم ، والسماوات الجنة على ما أشعر به قوله تعالى :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
[ سورة المطففين ، الآية : 18 ] وقوله :
إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ
[ سورة المطففين ، الآية : 7 ]
وَبَرَزُوا
من أجداثهم
لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
لمحاسبته ومجازاته ، وتوصيفه بالوصفين للدلالة على أنّ الأمر في غاية الصعوبة كقوله :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ سورة غافر ، الآية : 16 ] فإن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره ، ولا مستجار
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ
قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال ، كقوله :
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
[ سورة التكوير ، الآية : 7 ] أو قرنوا مع الشياطين ، أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائغة والملكات الباطلة ، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال ، وهو يحتمل أن يكون تمثيلا لمؤاخذتهم على ما اقترفته أيديهم وأرجلهم
فِي
شرح
معروف كان يعمل فيه أو يباع فيه كذلك . قوله : ( أرضا وسماء على الحقيقة ) أي من أفراد ذلك الجنس حقيقة كما أنه يجوز أن يكون غيره ، وقوله ولا يبعد على الثاني أي تبديل الصفة قيل بل هو بعيد لأنه يلزم أن تكون الجنة ، والنار غير مخلوقتين الآن ، والثابت في الكلام ، والحديث خلافه ، وأجيب بأنّ الثابت خلقهما مطلقا لا خلق كليهما فيجوز أن يكون الموجود الآن بعضهما ، ثم تصير السماوات والأرض بعضا منهما ، وهذا وإن صححه لا يقر به ، ووجه دلالة الآيتين أنهما في جهة علو ، وسفل وتعبيره بأشعر يقتضي أنه خفيّ مع أنّ وجه الإشعار فيه نظر ، وأغرب منه جعل الإمام هذا دليلا عليه ، وقوله لمحاسبته يعني أنه على تقدير مضاف لظهورهم له قبل ذلك . قوله : ( للدلالة على أنّ الأمر في غاية الصعوبة ) أي أمر يوم الحساب ، والجزاء لأنهم إذا كانوا واقفين عند ملك عظيم قهار لا يشاركه في الأمر غيره كانوا على خطر إذ لا مقاوم له ، ومجبر ولا مغيث سواء ، وشفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام لكونها بإذنه منه أيضا فلا ينافي ما ذكر ثبوت شفاعتهم للعصاة . قوله : ( مقرّنين ) هو حال إن كانت رأي بصرية ، ومفعول ثان إن كانت علمية ، وفي الأصفاد متعلق به أو بمحذوف على أنه حال أو صفة له ، والمقرّن من جمع في قرن ، وهو بفتحتين الوثاق الذي يربط به ، وقوله قرن بعضهم بالتشديد والتخفيف ، وقوله بحسب مشاركتهم في العقائد أي بضم كلّ لمشاركه في كفره وعمله كما في المثال :إنّ الطيور على أشباهها تقعوقوله :وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ[ سورة التكوير ، الآية : 7 ] فمعناه قرنت مع نوعها زوجا زوجا وسيأتي لها تفسير آخر ، وقوله أو قرنوا مع الشياطين لقوله فو ربك لنحشرنهم والشياطين ،
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري 20962 من حديث أبي هريرة وفيه من لم يسمّ فإسناده ضعيف .