تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
مطابقا لما تقدّمه من الكتب الإلهية المشهود على صدقها ، ولا يكون كذبا كيف وهو لكونه معجزا دونها عيار عليها شاهد على صحتها ، ونصبه بأنه خبر لكان
شرح
لأنّ ما يفعلون فعلهم المعهود سابقا ، وعلمه عبارة عن مجازاته كما قرّرناه مرارا . قوله : ( افتراء من الخلق ) افتراء تفسير أي يفتري ، ومن الخلق تفسير دون اللّه لأنه بمعنى غيره وغير الخالق الخلق وجعل أن يفتري بمعنى افتراء أي مفتري ، وفيه بحث لم يتعرض له أحد من أرباب الحواشي وهو إنّ أن والفعل المؤوّل بالمصدر معرفة باتفاق النحاة فلا يخبر به عن النكرة ( قلت ) هذا مما توقفت فيه حتى رأيت ابن جني قال في الخاطريات : إنه يكون نكرة وأنه عرضه على أبي عليّ رحمه اللّه فارتضاه ولذا جعله بعضهم بيانا لحاصل المعنى إذ معنى ما كان ما صح واللام فيه مقدّرة ، وأصله ما كان هذا القرآن لأن يفتري كقوله :وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً[ سورة التوبة ، الآية : 122 ] وأن يفتري خبر كان ، ومن دون اللّه خبر ثان بيان للأوّل أي صادرا من غير اللّه كما زعموا أنه افتراه ، وهذا الإعراب ذهب إليه بعض المعربين ولم يرتضه في الدرّ المصون لكن بلاغة المعنى تقتضيه ، والخلاف مبني على أنّ لام الجحود تعاقب أن المصدرية فإذا أتى باللام حذفت أن وإذا أتى بأن حذفت اللام ، وقال أبو حيان أيضا الصحيح خلافه فما قيل في ردّه إنه ليس على حذف اللام لتأكيد النفي بل أن يفتري في معنى مصدر بمعنى المفعول كما أشار إليه بقوله ، وكان محالا أن يكون مثله في علوّ أمره ، وإعجازه مفتري لكن ما ذكر من قوله ما صح ، وما استقام وكان محالا ربما يشعر بأنه على حذف اللام ، إذ مجرّد توسيط كان لا يفيد ذلك ، والتعبير بالمصدر لا تعلق له بتأكيد لا ربما يشعر بأنه على حذف اللام ، إذ مجرّد توسيط كان لا يفيد ذلك ، والتعبير بالمصدر لا تعلق له بتأكيد معنى النفي انتهى غفلة عن مراده مع أنه رجع إلى ما قاله آخرا فلا وجه له ، ثم إن نفي كان قد يستعمل لنفي الصحة ، وبمعنى لا ينبغي ، وأصله ما وجد ، وهي كان التامّة فيجوز أن يكون المعنى ما كان لهذا القرآن افتراء أي ما صح أن ينسب إليه ، وما أشار إليه أوّلا ذهب إليه ابن هشام رحمه اللّه في أواخر المغني ، وقال شارحه أنه لا حاجة إليه لجواز أن يكون كان تامّة ، وأن يفتري بدل اشتمال من القرآن ، وقيل عليه أنه لا يحسن قطعا لأنّ قولك ، وما وجد القرآن يوهم من أوّل الأمر نفي وجوده ، ولا بدّ من الملابسة بين المبدل ، والمبدل منه في بدل الاشتمال فيلزم أن يبتني الكلام على الملابسة بين القرآن العظيم ، والافتراء وفي التزام كلّ من الأمرين ترك أدب لا يلتزمه المنصف فالوجه ما ذكره ابن هشام وليس بسديد ابتداء لأنه ليس معنى الملابسة أن يعرف بالاتصاف به كما توهم وما ذكره من الإيهام لا عبرة به مع الدافع القوي له وهو قوله بعده ولكن تصديق الخ وما ارتضاه من كلام ابن هشام ليس كما زعم لا لما ذكره الشارح بل لما أشرنا إليه فتدبر . قوله : ( مطابقا لما تقدّمه من الكتب الإلهية الخ ) أي معنى تصديقه لها مطابقته إياها وهي مسلمة الصدق عند أهل الكتاب فيكون هذا كذلك هذا مراد المصنف رحمه اللّه ، وأورد عليه أنّ اللازم منه صدق ما طابقه منها لا كونه كلام اللّه وغير