تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
ومعناه تعظيم مكرهم ، وقرىء بالفتح والنصب على لغة من يفتح لام كي ، وقرىء وإن كاد مكرهم
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ
مثل قوله :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا
[ سورة غافر ، الآية : 51 ]
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
[ سورة المجادلة ، الآية : 21 ] وأصله مخلف رسله وعده ، فقدّم المفعول الثاني إيذانا بأنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
[ سورة الرعد ، الآية : 31 ] وإذا لم يخلف وعده أحدا فكيف يخلف رسله
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
غالب لا يماكر قادر لا يدافع
ذُو انتِقامٍ
لأوليائه من أعدائه
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ
شرح
تعظيم مكرهم الخ ) كما في الشرطية ، وقد مرّ تقريره وبقية كلامه ظاهر مما قرّرناه لك فإن قلت كونها نافية ينافي قراءة الكسائيّ المثبتة لدلالتها على عظم مكرهم ، ودلالة كونها نافية على حقارته قلت أجيب عنه بأنّ الجبال في قراءة الكسائيّ يشار بها إلى ما جاء به النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من الحق وفي غيره على حقيقتها فلا تعارض إذ لم يتوارد على محلّ واحد نفيا ، وإثباتا ورد بأنه إذا جعل آيات اللّه شبيهة بالجبال في الثبات كانت مثلها بل أدون منها فإذا نفى إزالته إياها انتفى إزالته جبال الدنيا بالطريق الأولى فتنافي إزالته إياها الثابتة بقراءة الكسائيّ فالإشكال باق بحاله ( قلت ) هذا غير وارد لأنّ المشبه لا يلزم أن يكون أدون من المشبه به في وجه الشبه بل قد يكون بخلافه لكون المشبه به أعرق بوجه الشبه ، وهنا كذلك لأنّ ثبوت الجبل يعرفه الغبيّ ، والذكيّ بخلاف الحق ، ولو سلم فقد يقدر على إزالة الأقوى دون الآخر لمانع كالشجاع يقدر على قتل أسد ، ولا يقدر على قتل رجل مشبه به لامتناعه بعدّة أو حصن ، ولا أحصن ، وأحمى من تأييد اللّه للحق بحيث تزول الجبال يوم تنسف نسفا ، ولا يزول وهذا ظاهر لكلّ ذي بصيرة . قوله : ( مثل قوله إنا لننصر رسلنا الخ ) بيان لتحقق الوعد ووروده ، وقيل المراد بالوعد السابق في قوله ، وعند اللّه مكرهم إذ معناه المجازاة عليه كما مرّ . قوله : ( إيذانا بأنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ[ سورة الرعد ، الآية : 31 ] كذا في الكشاف ، وقيل عليه إنّ الفعل إذا تقيد بمفعول انقطع احتمال إطلاقه ، وهو هنا كذلك فليس تقديم الوعد دالا على إطلاق الوعد بل على العناية والاهتمام به لأنّ الآية سيقت لتهديد الظالمين بما وعد اللّه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسّلام ، فالمهمّ ذكر الوعد ، وكونه على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسّلام لا يتوقف عليه التهديد ، والتخويف ، وقيل إنه قويّ لكن ما ردّه هو القاعدة عند أهل البيان كما قال عبد القاهر في قوله :وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ[ سورة الأنعام ، الآية : 100 ] إنه قدّم شركاء للإيذان بأنه لا ينبغي أن يتخذ للّه شركاء مطلقا ، ثم ذكر الجن تحقيرا فإذا لم يتخذ من غير الجنّ فالجنّ أحق بأن لا يتخذوا ، وهذا لا يدفع السؤال بل يؤيده ، وكذا ما ذكره الشارح الطيبي رحمه اللّه تعالى فإنه مع تطويله لم يأت بطائل فالوجه ما في الكشف من أنّ تقديمه يقتضي الاعتناء به ، وأنه المقصود بالإفادة ، وما ذكره ممن وقع الوعد على لسانه إنما ذكر بطريق التبع للإيضاح ، والتفصيل بعد الإجمال ، وهو من أسلوب الترقي كما في قوله :رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي[ سورة طه ، الآية : 25 ] وقد أشار إليه المصنف رحمه اللّه تعالى بقوله