تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
منهم ، وبعث فيهم
لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
ما أمروا به فيفقهوه عنه بيسر وسرعة ثم ينقلوه ويترجموه إلى غيرهم فإنهم أولى الناس إليه بأن يدعوهم ، وأحق بأن ينذرهم ، ولذلك أمر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بإنذار عشيرته أوّلا ، ولو نزل على من بعث إلى أمم مختلفة كتب على ألسنتهم استقل ذلك بنوع من الإعجاز ، ولكن أدى إلى اختلاف الكلمة ، وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلم الألفاظ ، ومعانيها والعلوم المتشعبة منها وما في إتعاب القرائح ، وكدّ النفس من القرب المقتضية لجزيل الثواب ، وقرىء بلسن وهو لغة فيه كريش ورياش ، ولسن بضمتين وضمة
شرح
المجازي والبعد في الحقيقة للضال لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق فوصف به فعله كما تقول جدّ جدّه ، ويجوز أن يراد في ضلال ذي بعد أو فيه بعد لأنّ الضال قد يضل عن الطريق مكانا قريبا أو بعيدا قال المدقق : الإسناد المجازي على جعل البعد لصاحب الضلال لأنّ الضالّ الذي يتباعد عن طريق الصواب فوصف ضلاله بوصفه مبالغة ، وليس معناه إبعادهم في الضلال ، وتعمقهم فيه وأما قوله ، ويجوز أن يراد في ضلال ذي بعد فعلى هذا البعد صفة للضلال حقيقة بمعنى بعد غوره ، وأنه هاوية لا نهاية لها ، وقوله أو فيه بعد على جعل الضلال مستقرا للبعد بمنزلة مكان بعيد عن الجادة ، وهو معنى بعده في نفسه عن الحق لتضادهما ، وإليه الإشارة بقوله لأنّ الضال قد يضل عن الطريق مكانا بعيدا أو قريبا ، والغرض بيان غاية التضاد ، وأنه بعد لا يوازن وزانه ، وعلى جميع التقادير البعد مستعار من البعد المسافي إلى تفاوت ما بين الحق ، والباطل أو ما بين أهلهما ، وذكر في سورة الحج أنه استعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ضالا فطالت وبعدت مسافة ضلاله ، ثم في قوله أولئك في ضلال دون ضالون ضلالا بعيدا دلالة على تمكنهم فيه فاشتماله عليهم اشتمال المحيط على المحاط ليكون كناية بالغة في إثبات وصف الضلال فافهم . قوله : ( الذي هو منهم وبعث فيهم ) إشارة إلى أنّ اللسان ليس بمعنى العضو بل بمعنى اللغة فإنه يستعمل لكل منهما ، ولا ينتقض الحصر بلوط عليه الصلاة والسّلام فإنه تزوّج منهم ، وسكن معهم ، ولا بيونس عليه الصلاة والسّلام فإنه من قومه الذين أرسل إليهم كما قالوه فلا حاجة إلى أنه هنا باعتبار الأكثر الأغلب ، ولا يلزم من كون لغته لغتهم اختصاص بعثته بالعرب ، وقوله ما أمروا به إشارة إلى مفعوله المقدّر واليسر بمعنى السهولة عليهم . قوله : ( ثم ينقلوه ويترجموه إلى غيرهم ) أي ينقلوا ما أمروا به ، ويترجموه بلغة أخرى إن بعث ذلك الرسول إلى غير قومه ممن لهم لسان آخر ، وقوله فإنهم أولى الناس أي أقربهم إليه تعليل لعدم تعكيس الأمر ، وإنذار عشيرته لقوله تعالى :وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[ سورة الشعراء ، الآية : 214 ] وقوله ، ولو نزل الخ إشارة إلى سؤال وهو نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم بعث لجميع الأمم فلو كان له كتب معجزة بجميع الألسنة كانت أدل على النبوّة فدفعه بأنه يؤدّي إلى اختلاف الكلمة لاختلاف الكتب المتمسك بها المؤدّي إلى التنازع ، وعدم الانقياد وإضاعة فضل الاجتهاد أي بذل الجهد في فهم معانيه ، واتقان لغاته وعلومه ، والقرب جمع قربة . قوله : ( وقرئ بلسن ) كذكر ، وهي لغة في لسان لكنه لا يطلق على الجارحة ، وقوله وقيل الضمير في