تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
وَيَبْغُونَها عِوَجاً
ويبغون لها زيغا ونكوبا عن الحق ليقدحوا فيه فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير والموصول بصلته يحتمل الجر صفة للكافرين ، والنصب على الذم والرفع عليه أو على أنه مبتدأ خبره
أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
أي ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل ، والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله للمبالغة ، أو للأمر الذي به الضلال فوصف به لملابسته
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
إلا بلغة قومه الذي هو
شرح
الأخرى ، ولا محذور في كون القراءة المتواترة أفصح من غيرها ، وليس هذا مبنيا على مذهب الزمخشريّ من أن القراءة تكون برأي واجتهاد دون سماع منه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما قيل وقوله لأنّ في صدّه مندوحة أي سعة عن التعدية بالهمزة ، وجعله من صدّ صدود اللازم لأنّ تعدية صد بنفسه فصيحة كثيرة في الاستعمال مع أنّ هذه القراءة شاذة ، وهي قراءة الحسن كما قاله المعرب . قوله : ( ويبغون لها زيغا الخ ) قد فسره المصنف رحمه اللّه في أوّل هود بقوله يصفونها بالانحراف عن الحق ، والصواب أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالردة وهذا وجه آخر ، وهو أنهم يطلبون أن يروا فيها ما يكون عوجا قادحا فيها كقول من لم يصل إلى العنقود وليسوا بواجدين ذلك فلذا عقبه بقوله أولئك في ضلال بعيد ، والنكوب الانحراف والعدول ، وقد أعرب الموصول بوجوه ظاهرة ، وقد ردّ أبو حيان رحمه اللّه كونه صفة للكافرين بالفصل بين الصفة والموصوف بأجنبيّ ، وهو قوله من عذاب شديد وأنه يصير كقولك الدار لزيد الحسنة القرشي والتركيب الصحيح فيه أن يقال الدار الحسنة لزيد القرشي ، وهو مبنيّ على أنّ قوله من عذاب شديد صفة ويل ، وهو لم يذكره فهو إلزام له بما لا يلتزمه فيجوز أن يكون على هذا خبر مبتدأ محذوف ، والجملة اعتراضية فلا يضر الفصل بها فتأمّل ، وإذا كان مرفوعا على الذمّ فهو خبر مبتدأ أيضا ، والفرق بينه ، وبين الوجه الذي بعده أنه يعتبر أنه كان نعتا فقطع بخلافه على الآخر ، ولا يقدر فيه بئس الذين الخ كما توهم . قوله : ( أي ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل ) يعني أنّ الضلال معنويّ بمعنى البعد عن الحق شبه بمن ضل في طريقه وبعد عن مقصده وبعيد ترشيح له ، ولما كان من وضع البعد على أن يوصف به المكان أو المكاني ، وقد وصف به هنا الفعل نفسه بين المراد منه ، وقوله في الحقيقة للضال بالنسبة إلى الضلال فلا ينافي أنه يوصف به المكان أيضا وفعله يعني صفته ، وهي الضلال ، والمبالغة بجعل الضلال نفسه ضالا فقد أسند فيه إلى المصدر ما هو لصاحبه مجازا كجن جنونه وجدّ جدّه ، ولا يخفى ما فيه من المبالغة إلا أنّ الفرق بين ما نحن فيه وجد جدّه أنه مصدر غير المسند وذاك مصدره ، وليس بينا وقوله أو للأمر الذي به الضلال الباء للسببية أو الملابسة أي أمر بسببه أو ملابسته حصل الضلال يعني أنّ البعد في الحقيقة صفة للشخص باعتبار بعد مكانه عن مقصده وسبب بعده ضلاله لأنه لو لم يضل لم يبعد عنه فأسند ما للشخص إلى سبب اتصافه بما وصف به فيكون كقولك قتل فلانا عصيانه ، والإسناد مجازيّ ، وفيه المبالغة المذكورة أيضا ، والمعنى بعد الضلال لكنه اعتبر في الثاني بيان سبب البعد دون الأوّل ، وفي الكشاف هو من الإسناد
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 437 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي