الأوّل متعلق بمحذوف تقديره أفلم ييأس الذين آمنوا عن إيمانهم علما منهم أن لو يشاء اللّه لهدى الناس جميعا ، أو بآمنوا
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا
من الكفر وسوء الأعمال
قارِعَةٌ
داهية تقرعهم وتقلعهم
أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ
فيفزعون منها ويتطاير
شرح
إيمانهم للكفار ، والضمير في علما منهم للمؤمنين ، وعلما منصوب على أنه مفعول له ، وأن لو يشاء اللّه مفعول به لعلما المحذوف ، ولم يقصر المسافة بتقدير لأن لو يشاء اللّه لأنه لا يصلح للعلية وإنما العلة علمهم بذلك ولم يجعله تضمينا لبعده . قوله : ( أو بآمنوا ) معطوف على قوله بمحذوف فإن لو يشاء معمول لآمنوا بتقدير الباء أي لم ييأس الذين آمنوا بمضمون هذه القضية عن إيمان هؤلاء الكفرة فإن قلت تعلقه به ، وتخصيص إيمانهم بذلك بالذكر يقتضي أنّ لهذه دخلا في اليأس عن إيمانهم ، والأمر بالعكس لأنّ قدرة اللّه على هداية جميع الناس تقتضي رجاء إيمانهم لا اليأس منه قلت وجه تخصيص الإيمان بذلك أنّ إيمان هؤلاء الكفرة المصممين كأنه محال متعلق بما لا يكون لتوقفه على مشيئة اللّه تعالى هداية جميع الناس ، ذلك مما لا يكون بالاتفاق وذكر أبو حيان هنا وجها آخر ، وهو أنّ الكلام قد تم عند قوله أفلم ييأس الذين آمنوا تقرير اليأس المؤمنين من إيمان هؤلاء المعاندين ، وأن لو يشاء اللّه جواب قسم مقدّر أي أقسم لو يشاء اللّه لهدى الناس جميعا ، وأن رابطة لجواب القسم كاللام الجوابية ، وقد ذكر سيبويه رحمه اللّه ، وابن عصفور أنها تكون كذلك في كلام العرب كقوله :أما واللّه إن لو كنت حرّا * وما بالحر أنت ولا العتيقوأمثاله .
تنبيه : قوله أفلم ييأس كما تقدّم في سورة يوسف عليه الصلاة والسّلام استيأسوا ، وهي خمس قرأها البزي عن ابن كثير رحمه اللّه بخلاف عنه بألف بعدها ياء ، والباقون على الأصل يئس فاؤها ياء وعينها همزة ، وهي لغة والأولى على القلب بتقديم الهمزة على الياء بقلب حروفها ويدل عليه أمران الأوّل المصدر ، وهو اليأس ، والثاني أنه لولا أنه مقلوب لقلبت ياؤه ألفا لتحرّكها ، وانفتاح ما قبلها لأنها كانت في محل لا يقبل القلب ، وهو الفاء فكذلك ما وقع موقعه ، وقال أبو شامة رحمه اللّه : بعد ما ذكر قراءة البزي في الخمس كلمات ، ولذا رسمت في المصحف كما قرأها البزي بألف مكان الياء ، وياء مكان الهمزة ، وقال أبو عبد اللّه : اختلف في هذه الكلمات في الرسم فرسم ييأس ، ولا تيأسوا بألف ورسم الباقي بغير ألف ( قلت ) هذا هو الصواب ، وكأنها غفلة من أبي شامة انتهى من الدر المصون ( أقول ) ما ذكره من اتفاقهم على رسمه كما ذكر مقرّر ، وتخطئة أبي شامة خطأ منه لعدم فهم كلامه فإنه ذكر أنها رسمت بألف ، ولم يقل في الخمسة ولا في الجميع ، ثم نقل تخصيص رسم الألف بموضعين فيكون كلامه المطلق أوّلا محمولا على المقيد ومفسرا لما أبهم أوّلا فالمخطئ له هو المخطئ فاعرفه . قوله :
( داهية تقرعهم وتقلعهم ) القارعة من القرع ، وأصله ضرب شيء بشيء كما قاله الراغب ،