محمد إنّ سرك أن نتبعك فسير بقراءتك الجبال عن مكة حتى تتسع لنا فنتخذ فيها بساتين ، وقطائع أو سخر لنا به الريح لنركبها ، ونتجر إلى الشام أو ابعث لنا به قصيّ بن كلاب ، وغيره من آبائنا ليكلمونا فيك فنزلت ، وعلى هذا فتقطيع الأرض قطعها بالسير ، وقيل الجواب مقدّم ، وهو قوله وهم يكفرون بالرحمن وما بينهما اعتراض ، وتذكير كلم خاصة لاشتمال الموتى على المذكر الحقيقي
بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً
بل للّه القدرة على كل شيء وهو إضراب عما تضمنته لو من معنى النفي أي بل اللّه قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات ، إلا أنّ إرادته لم تتعلق بذلك لعلمه بأنه لا تلين له شكيمتهم ، ويؤيد ذلك قوله :
أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا
عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم وذهب أكثرهم إلى أنّ معناه
شرح
تشهد لتقدير الجواب الثاني . قوله : ( وقيل إن قريشا قالوا يا محمد إنّ سرّك الخ ) « 1 » بيان لسبب النزول ، وهو تأييد لتقدير الجواب الثاني ، وليس فيه مغايرة لما سبق إلا في جعل التقطيع من قطع الأرض بمعنى سيرها ، وقطائع جمع قطيعة وهي الأرض التي تزرع ومنه إقطاع الجند ، وقوله تتسع أي مكة مجزوم في جواب الأمر وتسخير الريح ليركبوها فيذهبوا ويأتوا في زمان يسير فيستغنون عن رحلة الشتاء والصيف ، وابعث لنا أي أحيه لنا لنكلمه فيخبرنا بصحة نبوّتك .
قوله : ( وقيل الجواب مقدّم الخ ) معطوف على قوله حذف جوابه ، وهذا منقول عن الفراء وغيره ممن يجوز تقديم جواب الشرط عليه ولا يخفى أنّ في اللفظ نبوة عنه لكونها اسمية مقترنة بالواو ، ولذا أشار السمين رحمه اللّه تعالى إلى أن مراده أنها دليل الجواب لكنه يكون لا فرق بينه وبين تقدير لما آمنوا في المعنى وقوله خاصة أي دون سيرت وقطعت لأنه جمع ميت ، والميت منه مذكر فنظر إليه تغليبا . قوله : ( بل للّه القدرة على كلّ شيء الخ ) قال في الكشاف إنه على معنيين أحدهما بل للّه القدرة على كلّ شيء ، وهو قادر على الآيات التي اقترحوها ألا إنّ علمه بأنّ إظهارها مفسدة يصرفه ، والثاني بل للّه أن يلجئهم إلى الإيمان وهو قادر على الإلجاء لولا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار ، ويعضده قوله أفلم ييأس الذين الخ ولما كان الثاني مبنيا على مذهبه كما بينه شرّاح الكشاف تركه المصنف رحمه اللّه تعالى واقتصره على الأوّل وهذا جار على وجوه تقدير الجواب إمّا على الأخير فظاهر ، وأمّا على الأوّل فلأنّ إرادة تعظيم شأن القرآن لا تنافي الردّ على المقترحين وقوله عن إيمانهم فمتعلق اليأس محذوف تقديره ما ذكر لا أن لو يشاء واليأس على هذا بمعنى القنوط وقدمه لأنه المعروف من معناه ، وقوله إضراب عما تضمنته لو الخ أي لا يكون تسيير الجبال وما ذكر بقرآن بل يكون بغيره مما أراده
هامش
( 1 ) أخرجه الواحدي في « أسباب النزول » ( 550 ) من حديث الزبير بن العوام . وفيه عبد الجبار عمر الأيلي ضعيف : التقريب 1 / 466 والمجروحين 2 / 158 وذكره الهيثمي في المجمع 7 / 85 وقال : رواه أبو يعلى من طريق عبد الجبار بن عمر الأيلي عن عبد اللّه بن عطاء بن إبراهيم وكلاهما وثق وقد ضعفهما الجمهور .