ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
بالظلم ، وتهييج الفتن
أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
عذاب جهنم أو سوء عاقبة الدنيا لأنه في مقابلة عقبى الدار
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
يوسعه ويضيقه
وَفَرِحُوا
أي أهل مكة
بِالْحَياةِ الدُّنْيا
بما بسط لهم في الدنيا
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ
أي في جنب الآخرة
إِلَّا مَتاعٌ
الأمتعة لا تدوم كعجالة
شرح
الشيء فعهد اللّه قوله :أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ[ سورة الأعراف ، الآية : 172 ] وميثاقه الاعتراف بقوله بلى ، وقد يسمى العهد من الطرفين ميثاقا لتوثيقه ما بين المتعاهدين ، وهو الذي ذكره المصنف رحمه اللّه أوّلا في قوله ما وثقوه بينهم وبين اللّه فلا تنافي بين كلاميه لأنّ التوثيق حصل بالمجموع ، وهو في الحقيقة بالجواب ، وقوله بالظلم أي لأنفسهم وغيرهم وتهييج الفتن بمخالفة دعوة الحق وإثارة الحرب على المسلمين . قوله : ( عذاب جهنم ) يعني المراد بالدار جهنم وسوءها عذابها ، أو سوء عاقبة الدنيا فالدار هي الدنيا وسوءها عاقبتها السيئة ، وهي عذاب جهنم أو جهنم نفسها ، ولم يقل سوء عاقبة الدار لأنّ العاقبة إذا أطلقت يراد بها الجنة كما مرّ وهذا الوجه أحسن كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه لرعاية تقابل عقبى الدار إذ المراد بها ثمة الدنيا أيضا ، ولأنه المتبادر من الدار بقرينة ما قابله وهو الحاضر في أذهانهم . قوله :
( يوسعه ويضيقه ) ترك قول الزمخشريّ اللّه وحده هو يبسط الرزق لأنّ مثله لا يفيد الحصر عند صاحب المفتاح ، والزمخشريّ يرى أنه قد يرد له لأنه لا مانع من الجمع بين التقوى ، والتخصيص عنده وبسط الرزق توسعته ، وأمّا قول المصنف رحمه اللّه تعالى ويضيقه فليس من مدلوله بل لازم له لأنه إذا وسعه إذا شاء لزم منه تضييقه إذا لم يشأ ، وهذا وإن كان عاما نزل في حق أهل مكة كأنه دفع لما يتوهم من أنه كيف يكونون مع ما هم عليه من الضلال موسعا رزقهم فبين أنّ توسعة رزقهم ليس تكريما لهم كما أنّ تضييق رزق بعض المؤمنين ليس إهانة لهم بل ذلك لحكم الهبة ، ثم إنه تعالى استأنف النعي على قبح أفعالهم مع ما وسعه عليهم فقال ، وفرحوا الخ والمراد بالرزق الدنيوي لا ما يعمّ الأخروي كما قيل لأنه غير مناسب للسياق ، وقوله بما بسط لهم في الدنيا لأنّ فرحهم ليس بنفس الدنيا فنسبة الفرح إليها مجازية أو بتقدير أي ببسطه الحياة وكذا إسناد المتاع إليها أو الحياة الدنيا مجاز عما فيها ، وفسر ضمير فرحوا بأهل مكة مع عدم سبق ذكرهم وهم المراد بالذين كفروا بعده ولم يعكس للعلم به في الأوّل ، وتسجيل الكفر عليهم في الثاني ، وليس فيها تقديم وتأخير كما قيل ومحله بعد يفسدون لاختلافهما عموما وخصوصا واستقبالا ومضيا . قوله : ( في جنب الآخرة ) يعني أنّ الجارّ والمجرور حال أي ، وما الحياة القريبة كائنة في جنب الآخرة وليس متعلقا بالحياة ولا بالدنيا لأنهما ليسا فيها ، وفي هذه معناها المقايسة ، وهي كثيرة في الكلام كما يقال الذنب في رحمة اللّه كقطرة في بحر ، وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لا حق وهي الظرفية المجازية لأنّ ما يقاس بشيء يوضع بجنبه ، وقيل معنى الآية كالخبر الدنيا مزرعة الآخرة يعني كان ينبغي أن يكون ما بسط لهم في الدنيا وسيلة إلى الآخرة كمتاع تاجر يبيعه بما يهمه ، وينفقه في مقاصده