لانكار أن تقع شبهة في تشابههما بعد ما ضرب من المثل
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
ذوو العقول المبرأة عن مشايعة الألف ومعارضة الوهم
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
الذي عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا بلى أو ما عهد اللّه تعالى عليهم في كتبه
وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ
ما وثقوه من المواثيق بينهم وبين اللّه تعالى ، وبين العباد ، وهو تعميم بعد تخصيص
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
من الرحم ، وموالاة المؤمنين والإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، ويندرج في ذلك مراعاة جميع حقوق الناس
شرح
التعقيب أو لتفريعه عليه ويصح أن تكون لتعقيب الإنكار لأنها مقدّمة من تأخير ، والتشابه لأن تشبيه شيء بشيء يقتضي شبه الآخر به لا المصطلح . قوله : ( المبرأة عن مشايعة ) وفي نسخة متابعة ، وهي بمعناها وفيه إشارة إلى الفرق بين اللب والعقل كما ذكره الراغب وغيره فإن لب كل شيء خالصه وخلوص العقل أن لا يتبع ما ألفه ولا وهمه من غير تأمّل قال الطيبيّ رحمه اللّه ولذا علق اللّه الأحكام التي لا تدركها إلا العقول الزكية بأولي الألباب ، وقيل إنهما مترادفان والقصد بما ذكر دفع ما يتوهم من أنّ الكفار عقلاء مع أنهم غير متذكرين ولو نزلوا منزلة المجانين حسن .
قوله : ( الذي عقدوه ) وفي نسخة ما عقدوه فالعهد عهد ألست ، والمصدر مضاف لفاعله ولو جعل العهد على هذا ما عقده اللّه لهم إذ ذاك صح ، وكان مضافا لفاعله أيضا كما في الوجه الثاني ، وفي قوله في كتبه إشارة إلى أنّ المراد من الذين ما يشمل جميع الأمم وما في كتبه الأحكام والأوامر والنواهي . قوله : ( ما وثقوه من المواثيق الخ ) ما بينهم وبين اللّه النذور ونحوها مما بين في كتب الأحكام وما بينهم وبين العباد هو العقود وما ضاهاها ، وكونه تعميما بعد تخصيص على كلا تفسيري العهد ، وقيل إنه على التفسير الأوّل لعهد اللّه وإلا فعلى الثاني تخصيص بعد تعميم ، وليس كذلك لأن نقض الميثاق على تفسيره ، وهو إبطال ما تقدّم من العهود الإلهية وما يجري بينهم وبين غيرهم من الخلق شامل لما عهد في عالم الأزل من التوحيد وغيره ، كما أنه شامل لما عهد اللّه على خلقه في كتبه وغيره مما لم يذكر فيها . قوله :
( من الرحم وموالاة المؤمنين والإيمان ) مفعول أمر محذوف تقديره أمرهم به وإن يوصل بدل من الضمير المجرور ، وقول المصنف رحمه اللّه من الرحم بيان لما الموصولة قيل والموالاة والإيمان لا يستقيم جعله بيانا لما لأنه وصل لا موصول ، ودفعه بأنّ المراد به الحاصل بالمصدر لا يجدي والأمر فيه سهل لأنّ مراده والمؤمنين بموالاتهم والأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بالإيمان بهم ، والناس بمراعاة حقوقهم بل سائر الحيوانات بما يطلب في حقها ، وجوبا أو ندبا كما في الكشاف ما أمر اللّه به أن يوصل من الأرحام والقرابات ، ويدخل فيه وصل قرابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان ، إنما المؤمنون إخوة بالإحسان إليهم على حسب الطاقة ، ونصرتهم والذب عنهم والشفقة عليهم والنصيحة لهم وطرح التفرقة بين أنفسهم