حمزة والكسائيّ وأبو بكر يغشى بالتشديد
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
فيها فإنّ تكوّنها وتخصصها بوجه دون وجه دليل على وجود صانع حكيم دبر أمرها ، وهيأ أسبابها
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ
بعضها طيبة وبعضها سبخة وبعضها رخوة ، وبعضها صلبة ، وبعضها تصلح للزرع دون الشجر وبعضها بالعكس ، ولولا تخصيص قادر موقع لأفعاله على وجه دون وجه لم تكن كذلك لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضية وما يلزمها ويعرض لها بتوسط ما يعرض من الأسباب السماوية من حيث إنها متضامّة متشاركة في النسب والأوضاع
وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ
وبساتي فيها أنواع الأشجار ، والزرع وتوحيد
شرح
زمان ظهور الشمس ، وانتشار الضوء ، والليل زمان غيبوبتها فليس أحدهما مستورا بالآخر فلذا جعلوه بمعنى غشيان مكان النهار وإظلاله له ، وذلك بمنزلة غشيانه نفسه ، فالتجوّز في الإسناد بإسناد ما لمكان الشيء إليه ، ويجوز فيه أن يكون استعارة كقوله :يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ[ سورة الزمر ، الآية : 5 ] يجعله مغشيا للنهار ملفوفا عليه كاللباس على الملبوس والأوّل أوجه وأبلغ ومكانه هو الجوّ وفي جعله مكانا له تجوز لأنّ الزمان لامكان له ، والمكان للضوء الذي هو لازمه ، واكتفى بذكر تغشية الليل النهار مع تحقق عكسه للعلم به منه مع أنّ اللفظ يحتملهما لأنّ التغشية بمعنى الستر ، وهي أنسب بالليل من النهار . قوله : ( فإنّ تكوّنها وتخصصها بوجه دون وجه الخ ) قال الإمام الأكثر في الآيات إذا ذكر فيها الدلائل الموجودة في العالم السفلي أن يجعل مقطعها إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وما يقرب منه وسببه أنّ الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية فردّه اللّه تعالى بقوله لقوم يتفكرون لأنّ من تفكر فيها علم أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث من الاتصالات الفلكية ولذا عقبه بقوله :وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌالخ ومن تأمّل هذه اللطائف علم اشتمال القرآن على علوم الأوّلين والآخرين ثم بين كيفية الاستدلال بما لخصه منه المصنف في قوله بعضها طيبة وبعضها سبخة الخ . قوله : ( لاشتراك تلك القطع الخ ) ، وأمّا اشتراكها في الطبيعة الأرضية فظاهر لأنها بسيطة متحدة المادّة ، وما يعرض لها بالعين المهملة على الصحيح ، وفي بعض النسخ يفرض بالفاء أي ما يقدّر لها وبينه بالأسباب السماوية ، وقوله من حيث إنها متضامّة تعليل للاشتراك ، وقوله متشاركة في النسب أي في نسب العلويات ، وأوضاعها في الاقترانات ونحوها . قوله : ( وبساتين فيها أنواع الأشجار والزروع ) بساتين جمع بستان وهو الحديقة معرب بوستان ، وفي الكشاف وفي بعض المصاحف قطعا متجاورات على معنى وجعل ، وقرئ وجنات بالنصب للعطف على زوجين أو بالجرّ على كل الثمرات ، وقرئ وزرع ونخيل بالجرّ عطفا على أعناب أو جنات ا ه وما ذكره المصنف رحمه اللّه تعالى الظاهر أنه على رفع جنات عطفا على قطع ، وقرئ بنصبه عطفا على زوجين مفعول جعل ، ومن كل الثمرات حالا مقدّما لا صلة جعل لفساد المعنى عليه أي جعلنا فيها زوجين حال كونهما من كل الثمرات ، وجنات من أعناب ، ولا يجب تقييد المعطوف بقيد المعطوف عليه فإن قلت إنهم قالوا في قوله :