وقيل في أهل الكتاب
أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ
عقوبة تغشاهم وتشملهم
أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً
فجأة من غير سابقة علامة
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
باتيانها غير مستعدّين لها
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي
يعني الدعوة إلى التوحيد والإعداد للمعاد ، ولذلك فسر السبيل بقوله
أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ
وقيل هو حال من الياء
عَلى بَصِيرَةٍ
بيان وحجة واضحة
شرح
لا اعتداد به مع الشرك ، وقوله بعبادة غيره بناء على أنها في مطلق المشركين ، واتخاذ الأحبار أربابا لأهل الكتاب لأنهم اتخذوا أحبارهم أربابا من دون اللّه ، والتبني أي اتخاذ الابن للّه بقولهم عزير ابن اللّه والمسيح ابن اللّه ، والقول بالنور الخالق للخير ، والظلمة الخالقة للشرّ الذاهب إليه المانوية ، والمجوس من الثنوية ، وقوله النظر إلى الأسباب كالمال ، والكسب ، ونحو ذلك كالاعتماد على الخلق ، وهو بيان للشرك الخفي المعنوي ، وكذا نسبه الآثار إلى الكواكب ، وقولهم : « مطرنا بنوء كذا » « 1 » كما وقع في الحديث ، وقلما ينجو من النظر إلى الأسباب أحد ، ولذا قال في الحكم كلك شرك خفيّ . قوله : ( وقيل الآية في مشركي مكة ) أي على الاحتمال الأوّل ، ولو قال فقيل كان أظهر ، وكذا على الثاني يرجع إليه أيضا ، وقوله وقيل في أهل الكتاب على الاحتمال الثاني ، وعلى الاحتمال الثالث فهو في الثنوية وعلى الرابع عام . قوله :
( عقوبة تغشاهم وتشملهم ) فسر الغاشية بالعقوبة ليظهر تأنيثها ، وبالمضارع إشارة إلى دلالة اسم الفاعل على الاستقبال ، وقوله تشملهم تفسير لتغشاهم ، وأنه من الغشاوة الدالة على الشمول والإحاطة لا من الغشيان بمعنى الإتيان لتكرره ، وقلة جدواه ، والعقوبة نعم الدنيوية والأخروية ، وفجاة بضم الفاء والمد أو بالفتح ، والقصر بمعنى المفاجأة والبغتة ، وقوله من غير سابقة علامة من إضافة الصفة للموصوف أو سابقة مصدر بمعنى سبق ، وهو قليل وقوله غير مستعدين بالنصب إشارة إلى أنّ عدم الشعور عبارة عن عدم الاستعداد بتوبة ، ونحوها فيفيد مع قوله بغتة ، ولا حاجة إلى جعله تأكيدا لها كما قيل والجملة حالية كما أشار إليه بتأويلها بغير مستعدين . قوله : ( يعني الدعوة إلى التوحيد الخ ) فهذه إشارة إلى الدعوة ولذا أنث ، وإن صح تأنيثه باعتبار السبيل أيضا لأنها مؤنثة في الأكثر كالطريق ودعوته إلى التوحيد معلومة من قوله تعالى :وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْلدلالته على أنّ كونه ذكرا لهم لاشتماله على التوحيد لكنهم لا يرفعون له رأسا ودعوتهم للإيمان معلومة من حرصه على إيمانهم فإنه بدعوتهم له ، والإعداد للمعاد من التخويف من مفاجأته من غير استعداد وجعل أدعو إلى اللّه مفسر الماء ذكر أما
هامش
( 1 ) هو بعض حديث أخرجه البخاري 846 - 1038 - 4147 - 7503 ومسلم 71 وأبو داود 3906 والنسائي 3 / 165 ومالك في « الموطأ » 1 / 192 وأحمد 4 / 117 وابن حبان 188 كلهم من حديث زيد ابن خالد الجهني ولفظ البخاري : « هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ » قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : « أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر : فأما من قال : مطرنا بفضل اللّه ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب ، وأما من قال : بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب » .