وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ
لا ينفذه ولا يسدّده أو لا يهدي الخائنين بكيدهم فأوقع الفعل على الكيد مبالغة ، وفيه تعريض براعيل في خيانتها زوجها وتوكيد لأمانته ، ولذلك عقبه بقوله
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
أي لا أنزهها تنبيها على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه ، والعجب بحاله بل إظهار ما أنعم اللّه عليه من العصمة والتوفيق ، وعن ابن عباس أنه لما قال ليعلم أني لم أخنه بالغيب قال له جبريل ولا حين هممت فقال ذلك
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
من حيث إنها بالطبع مائلة إلى الشهوات فتهتم بها وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كلّ الأوقات
إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
إلا وقت رحمة ربي ، أو إلا ما رحمه اللّه من النفوس فعصمه
شرح
وجوّز ابن المنير كونه حالا منهما وفيه نظر وعلى الظرفية فهو ظرف لغو ويحتمل الحالية أيضا .
قوله : ( لا ينفذه ولا يسدّده الخ ) فهداية الكيد مجاز عن تنفيذه ، وعلى الوجه الثاني المراد لا يهدي الخائنين بسبب كيدهم فأوقع الهداية المنفية على الكيد ، وهي واقعة عليهم تجوّزا للمبالغة لأنه إذا لم يهد السبب علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى ، والمراد بالفعل الهداية لأنها وإن كانت منفية لكن النفي يقتضي تصوّر الإثبات ، وتقديره فلا يرد أنه ليس فيه إيقاع بل نفي ، وقوله بكيدهم متعلق بيهدي ، وتعليل لنفي الهداية ، وجوّز تعلقه بالخائنين وأنّ فيه تنبيها على أنه يهدي كيد من لم يقصد به الخيانة ككيد يوسف بإخوته عليهم الصلاة والسّلام . قوله : ( وفيه تعريض براعيل في خيانتها ) أي لو كنت خائنا ما نفذ كيدي ، وسدده ، وأراد بكيده فحصه عن الحال ، وسماه كيدا مشاكلة كما في الكشف ، وفيه نظر ، وقوله وتوكيد لأمانته الخ بالواو دون أو إذ لا مانع من اجتماع التعريض ، والتوكيد ، وقوله تنبيها على أنه الخ وقيل فيه إشارة إلى أنّ عدم التعرّض لم يكن لعدم الميل الطبيعي بل لخوف اللّه . قوله :( وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي )أي أزكيها فمعنى لم أخنه أي بفعل قبيح . قوله : ( وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما ) ذكر هذا في كثير من التفاسير فإمّا أن يراد الميل الطبيعي كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه تعالى بعده أو أنه صغيرة تجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام قبل النبوّة ، وقوله قال له جبريل عليه الصلاة والسّلام أو ملك آخر . قوله : ( من حيث إنها بالطبع مائلة الخ ) يعني الأمر مجاز عن الهمّ أي القصد ، والعزم الذي يتبعه استعمال القوى ، والجوارح غالبا ، وهو إشارة لوجه الشبه فإنّ في الأمر استعمالا لها بالقول ، وفي الهمّ استعمال لها بالحمل عليه ، وكونه في كل الأوقات مأخوذ من صيغة المبالغة . قوله : ( كل الأوقات ) إشارة إلى أنه استثناء من أعمّ الأوقات ، وما ظرفية مصدرية زمانية فهو منصوب على الظرفية لا على الاستثناء كما توهم لكن فيه التفريغ في الإثبات أي هي أمّارة بالسوء في كل الأوقات إلا في وقت مخصوص ، وهو وقت رحمة اللّه . قوله : ( أو إلا ما رحمه اللّه ) فالاستثناء من النفس أو من الضمير المستتر في إمارة أو من مفعوله المحذوف أي أمّارة صاحبها إلا ما رحمه اللّه ، وفيه وقوع ما على ما يعقل ، وهو خلاف الظاهر ، ولذا أخره وقوله من النفوس ظاهر في الأوّل ، وأورد على الوجه الأوّل أنّ المعنى حينئذ كلّ نفس أمّارة بالسوء في كل الأوقات إلا وقت رحمته ، والمقصود إخراج نفس