الَّذِي نَجا مِنْهُما
من صاحبي السجن وهو الشرابيّ
وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ
وتذكر يوسف بعد جماعة من الزمان مجتمعة أي مدّة طويلة ، وقرىء أمّة بكسر الهمزة ، وهي النعمة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة ، وأمه أي نسيان يقال أمه يأمه أمها إذا نسي ، والجملة اعتراض ومقول
شرح
الشارع للفصل بين الحق ، والباطل كأنه كره أن يسمى ما كان من اللّه ، وما كان من الشيطان باسم واحد فجعل الرؤيا عبارة عن الصالح منها لما في الرؤيا من الدلالة على المشاهدة بالبصر أو البصيرة ، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان لأنّ أصل الكلمة لم تستعمل إلا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة مما لا حقيقة له وفي كتاب الأحكام للجصاص هذه الرؤيا كانت صحيحة لا أضغاثا لتعبير يوسف عليه الصلاة والسّلام لها بالخصب ، والجدب ، وهذا يبطل قول من يقول إنّ الرؤيا تقع على أوّل ما تعبر به لأنهم قالوا إنها أضغاث أحلام ، ولم تكن كذلك فدل على فساد القول بأنها على جناح طائر إذا فسرت وقعت ا ه ، وفيه نظر لما رواه أبو داود ، وابن ماجة عن أبي رزين : « الرؤيا على جناح طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت ولا تقصها إلا على وادّ أو ذي رأي » « 1 » ا ه فتفسيره بما ذكر لأنه مخصوص به في عرف الشرع ، وقيل لما كان المناسب لما تقدّم في الجواب أن يقال ، وما نحن بتأويل الأضغاث بعالمين حتى يكون عذرا لهم في جهلهم بتأويلها كأنه قيل هذه رؤيا باطلة ، وكل رؤيا كذلك لا يعلم تأويلها أي لا تأويل لها حتى نعلمه على حدّ قوله :علي لا حب لا يهتدي بمنارهحمل تعريف الأحلام على العهد ، وقوله كأنه مقدّمة أي كبرى للقياس الذي ذكرناه ، ولم يجعله للجنس كما في الكشاف حتى يكون المعنى على نفي علمهم بتأويل المنامات لئلا يضيع قوله أضغاث أحلام إذ لا دخل له في العذر إلا أن يقال المقصود إزالة خوف الملك من تلك الرؤيا وقد يجعل هذا جوابا مستقلا ، والحاصل أنه يحتمل أن يكون نفيا للعلم بالرؤيا مطلقا ، وأن يكون نفيا للعلم بتأويل الأضغاث منها خاصة . قوله : ( وتذكر يوسف عليه الصلاة والسّلام بعد جماعة من الزمان الخ ) يعني أنّ أمة بلفظها المعروف بمعنى مدّة ، وطائفة من الزمان ، وإن غلب استعماله في الناس ، وقرأ العقيلي أمة بكسر الهمزة ، وتشديد الميم ، ومعناها نعمة بعد نعمة ، وهو خلاصه من القتل ، والسجن ، وإنعام ملكه عليه كقوله :ثم بعد الفلاح والملك والأمّة * وارتهم هناك القبوروقرأ ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وغيره أمه بفتح الهمزة والميم المخففة وهاء منونة من
هامش
( 1 ) هو شطر حديث أخرجه أبو داود 5020 والترمذي 2279 وابن ماجة 3914 وأحمد 4 / 10 وابن أبي شيبة 11 / 50 وابن حبان 6050 والبغوي 3282 والطبراني 19 / 461 - 464 كلهم من حديث أبي رزين ولفظه : « رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزء آمن النبوة ، والرؤيا على رجل طائر . . . » .
ورد في الحديث على رجل طائر ، وليس على جناح طائر .