وحاشا اللّه بالتنوين على تنزيله منزلة المصدر ، وقيل حاشى فاعل من الحشا الذي هو الناحية ، وفاعله ضمير يوسف أي صار في ناحية اللّه مما يتوهم فيه
ما هذا بَشَراً
لأنّ هذا الجمال غير معهود للبشر ، وهو على لغة الحجاز في إعمال ما عمل ليس لمشاركتهما في نفي الحال ، وقرىء بشر بالرفع على لغة تميم وبشرى أي بعبد مشترى لئيم
إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
فإنّ الجمع بين الجمال الرائق والكمال الفائق ، والعصمة البالغة من خواص الملائكة أو لأنّ جماله فوق جمال البشر ، ولا يفوقه فيه إلا الملك
قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ
أي فهو ذلك العبد الكنعانيّ الذي لمتنني في الافتتان به قبل أن تتصوّرنه حق تصوّره ، ولو صوّرتنه بما عاينتن لعذرتنني ، أو فهذا هو الذي لمتنني فيه فوضع ذلك موضع هذا رفعا لمنزلة المشار إليه
وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ
فامتنع طلبا للعصمة أقرّت لهنّ
شرح
حرف جرّ مراد به الاستثناء ورد بأنه لم يتقدّمه ما يستثنى منه ، والتنوين لنقله إلى الاسمية ، وفيه ما مرّ . قوله : ( وقيل حاشى فاعل ) بفتح العين أي فعل كقاتل من المحاشاة ، وهو مذهب المبرد ، ومعناه صار في ناحية اللّه ، والمراد بعده عما اتهم به وتنزيهه عنه لما رؤي فيه من آثار العصمة ، وأبهة النبوّة عليه الصلاة والسّلام . قوله : ( لأنّ هذا الجمال غير معهود للبشر الخ ) يعني نفي البشرية عنه لأنّ جماله لم ير مثله فيهم ، وإثبات الملكية له لذلك مع الكمال ، ولذا وصف بالكرم ، ومشاركة ما لليس في نفي الحال هو المشهور ، وقال الرضي : إنّ ليس ترد لنفي الماضي ، والمستقبل فالمشاركة في مطلق النفي ، وقراءة بشرى بالباء الجارة مخالفة لرسم المصحف لأنه لم يكتب بالياء فيه ، ومخالفة لمقتضى المقام لمقابلته بالملك إلا أنّ ابن عادل رحمه اللّه تعالى قال من قرأ بها قرأ ملك بكسر اللام فيتناسب الكلام حينئذ ، وقول المصنف رحمه اللّه تعالى أي بعبد مشتري لئيم إشارة إلى وجه المقابلة بينهما على هذه القراءة ، وقوله ولا يفوقه في نسخة لا يفوقه بدون واو فالضمير ليوسف عليه الصلاة والسّلام واستفادة فائقية الملك من كونه مشبها به .
تنبيه : أنكر بعضهم هذه القراءة لأنها لا تناسب ما بعدها من قوله إن هذا إلا ملك كريم ورد بأنها صحيحة رواية ، ودراية أمّا الأوّل فلأنها رواها في المبهج عن عبد الوارث بسند صحيح ، وأما الثاني فلأنّ من قرأ بهذه قرأ ملك بكسر اللام فتصح المقابلة أي ما هذا عبد لئيم يملك بل سيد كريم مالك ، وكان على المصنف أن يذكر هذا إلا أنه أشار بقوله لئيم إلى ذلك وإن احتمل أنه أثبت المقابلة بوجه بينه ، وبين وصفه بطريق برهانيّ ففيه خفاء فتأمّل . قوله :
( فهو ذلك العبد الكنعانيّ الذي لمتنني الخ ) يعني ذلك خبر مبتدأ محذوف دخلت الفاء عليه بعد حذفه ، والذي صفة اسم الإشارة ، وعلى الوجه الثاني ذلك مبتدأ ، والذي خبره ، وتنزيله لعلوّ منزلته منزلة البعيد ظاهر كلامه أنه على الوجه الثاني فقط ، ولذا عبر عنه بهذا فيه دون الأوّل لأنّ يوسف عليه الصلاة والسّلام في وقت اللوم كان غير حاضر ، وهو الآن حاضر فإن جعلت