فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ
في السفن
وَجَرَيْنَ بِهِمْ
بمن فيها عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه يذكره لغيرهم ليتعجب من حالهم ، وينكر عليهم
بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
لينة الهبوب
وَفَرِحُوا بِها
بتلك الريح
جاءَتْها
جواب إذا والضمير للفلك أو
شرح
يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف ، وتراكم الأمواج ، والظنّ للهلاك ، والدعاء بالإنجاء قال أبو حيان رحمه اللّه : وهو كلام حسن ولما رآه محتاجا للتأويل أوّله بالحمل على السير والتمكين منه المتقدّم على الكون في الفلك ليتضح جعله غاية له فهذا هو الداعي لتفسير المصنف رحمه اللّه بما ذكر ، ولم يحتج لما في الكشاف لأنه قيل إنّ التحقيق أنّ الغاية إن فسرت بما ينتهي إليه الشيء بالذات فالغاية ليست إلا الشرط وإن فسرت بما ينتهي إليه الشيء مطلقا سواء كان بالذات أو بالواسطة كان الغاية مجموع الشرط ، والجزاء وقيل المسير في البحر هو اللّه إذ هو المحدث لتلك الحركات في السفينة بالريح ، ولا دخل للعبد فيه بل في مقدّماته وأما سير البرّ فمن أفعال العبد الاختيارية ، وتسيير اللّه فيه إعطاء الآلات والأدوات فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ، ولذا فسره المصنف رحمه اللّه بالحمل عليه بأن أحوجه للمعاش ، والحركة ومكنه منها فهو معنى مجازيّ شامل لهما ، وأمّا ادعاء اتحاد السير فيهما والاستدلال به على أنّ أفعال العباد مخلوقة للّه فتكلف وقال ابن عطية رحمه اللّه ركوب البحر للجهاد والحج جائز ، وكذا ركوبه لضرورة المعاش ، ولغيره وعند هيجان الريح مكروه .
تنبيه : في بعض التفاسير حكى الفخر خلافا في راكب السفينة هل هو متحرّك بحركتها أو ساكن وظاهر الآية الأول لتسويته بين البرّ والبحر وسير البرّ يعمّ الركوب والمشي ، ثم نقل عن السلف المنع فيه لغير ضرورة ، وعند هيجان ريحه .
( قلت ) الأوجه أن لا خلاف فإنه ساكن بالذات سائر بالواسطة ، وقرأ ابن عامر ينشركم بالنون ، والشين المعجمة ، والراء المهملة من النشر ضدّ الطيّ أي يفرّقكم ويبثكم ، وقال الحسن ينشركم من النشر بمعنى الإحياء ، وقرأ بعض الشاميين ينشركم بالتشديد للتكثير من النشر ، وقرأ الباقون يسيركم من التسيير ، والتضعيف فيه للتعدية تقول سار الرجل وسيرته ، وقال الفارسي :
إنّ سار متعد كسير لأنّ العرب تقول سرت الرجل وسيرته بمعنى كقول الهذلي :فلا تجزعن من سنة أنت سرتها * فأوّل راض سنة من يسيرهاولم يرتضه النحاة ، وأولوا البيت بما فصله المعرب . قوله : ( في الفلك ) مفرده وجمعه واحد والحركات فيه بينها تغاير اعتباريّ ، وقوله بمن فيها إشارة إلى أنّ الخطاب الأوّل عامّ وهذا خاص بمن فيها وهو التفات للمبالغة في تقبيح حالهم كأنه أعرض عن خطابهم وحكى لغيرهم سوء صنيعهم وباء بهم للتعدية وفي بريح وبها للسببية فلذا تعلق الحرفان بمتعلق واحد لاختلاف معناهما ، ويجوز أن تكون الباء الثانية للحال أي جرين بهم ملتبسة بريح طيبة فيتعلق