بشيء أمضاه ، والمراد بهمه عليه السّلام ميل الطبع ، ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياريّ ، وذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح ، والأجر الجزيل من اللّه من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم ، أو مشارفة الهم كقولك قتلته لو لم أخف اللّه
لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
في قبح الزنا وسوء مغبته لخالطها لشبق الغلمة وكثرة المبالغة ، ولا يجوز أن يجعل وهم بها جواب لولا فإنها في حكم أدوات الشرط فلا يتقدّم عليها جوابها بل
شرح
الآية خطور الشيء بالبال أو ميل الطبع كالصائم في الصيف يرى الماء البارد فتحمله نفسه على الميل إليه ، وطلب شربه ، ولكن يمنعه دينه عنه وكالمرأة الفائقة حسنا ، وجمالا تتهيؤ للشاب النامي القوي فتقع بين الشهوة ، والعفة وبين النفس ، والعقل مجاذبة ، ومنازعة فالهم هنا عبارة عن جواذب الطبيعة ، ورؤية البرهان جواذب الحكمة ، وهذا لا يدل على حصول الذنب بل كلما كانت هذه الحال أشدّ كانت القوّة على لوازم العبودية أكمل إذا عرفت هذا فالمختار أنّ يوسف عليه الصلاة والسّلام إن كان ما نسب إليه من الهمّ واقعا بناء على أنه لا يقدر على دفعه ، ونظيره جواب لولا فهو بهذا المعنى الذي لا يعدّ سيئة بل حسنة كما سمعت ، ولذا غاير بين العبارة في الهمين ، ولم يقل هما وأكد الأوّل دون الثاني وإن لم يكن واقعا كما اختاره في البحر ، وقال لم يقع منه همّ البتة بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول لقد قارفت الإثم لولا أنّ اللّه عصمك ، ولا تقول إنّ جواب لولا يتقدّم عليها ، وإن لم يقم دليل على امتناعه بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف فيها حتى ذهب الكوفيون ، وأعلام البصريين إلى جواز تقدّمه بل تقول هو محذوف لدلالة ما قبله عليه لأنّ المحذوف في الشرط يقدّر من جنس ما قبله ، والبرهان ما عنده من العلم الدال على تحريم ما همت به وأنه لا يمكن الهمّ فضلا عن الوقوع فيه هذا هو الذي يجب اعتقاده ، والحمل عليه ، وكلام المصنف رحمه اللّه راجع إليه كما ستراه فقوله ، والهمّ بالشيء قصده ، والعزم الخ بناء على أنه ليس مطلق القصد ، وإن هذا أصله فهو في حقها على حقيقته ، وأمّا في حقه فبمعنى آخر ، وقوله أمضاه أي فعله . قوله :
( والمراد بهمه ميل الطبع الخ ) مبني على الطريقة الأولى المثبتة للهم له وجعله بمعنى الميل الطبيعي كميل الصائم للماء البارد وما فسر به الهم قبله إن كان حقيقة كما هو الظاهر من كلامه فإطلاقه على هذا استعارة أو مشاكلة أو من مجاز المشارفة . قوله : ( أو مشارفة الهم كقولك قتلته لو لم أخف اللّه ) هذا على إثبات الهم له وتأويله بالقرب من الهم كما في المثال المذكور إذا قصد بقتلته شارفت قتله بضرب أو نحوه ، وقد مرّ له جواب آخر فلا يرد عليه ما قيل إنه ما الموجب لإخراج قتلته عن حقيقته فإنه دليل الجواب إذ لم نجوّز تقديمه ولو للامتناع فالمعنى امتناع القتل لامتناع عدم الخوف منه تعالى ، وهو معنى صحيح إذ المناقشة في التمثيل ليست دأب أرباب التحصيل ، وقيل معنى همت به ، وهمّ بها أنها اشتهته ، واشتهاها ، وإنه أحسن الوجوه . قوله : ( في قبح الزنا وسوء مغبته الخ ) المغبة بفتح الميم ، والغبن العاقبة ، وقوله لخالطها هو الجواب المقدّر للولا بدلالة ما قبله لأنّ الهم من لوازم المخالطة ، والشبق ،