كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في النوم فرّق بينهما بحرفي التأنيث كالقربة والقربى وهي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك ، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن ، أدنى فراغ فتتصوّر بما فيها مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك ، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة ، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير ، وإلا
شرح
وجه آخر لكن الظاهر الأوّل ، ويكيدوا منصوب في جواب النهي ، وكيدا مصدر مؤكد ، وقيل إنه مفعول به ، ومعناه يصنعون لك كيدا ، وهو ما يكاد به فلك حال أو اللام للتعليل ، وفهم يعقوب عليه الصلاة والسّلام ذلك لعلمه بالتعبير ، ولدلالة خضوع الإجرام العلوية له على ذلك ، وقوله أن اللّه يصطفيه لرسالته أي لنبوّته لأنه لم ينقل له شريعة مستقلة فكونه فوق إخوته إمّا بالملك أو لتفاوت مراتب النبوّة ، وخوفه حسدهم إمّا لعلمهم بالتأويل أو لاحتمال تعب بينهم لذلك . قوله : ( والرؤيا كالرؤية ) ليس المراد التشبيه في تمام المعنى ، وجميع الوجوه بل في كونها مصدر رأي إلا أنّ الرؤية مصدر رأي البصرية الدالة على إدراك مخصوص ، والرؤيا مصدر رأي الحلمية الدالة على ما يقع في النوم سواء كان مرئيا أو لا وهو قول تقدّم ما يخالفه فلا يرد عليه شيء كما توهم ففرق بين مصدر المعنيين بالتأنيثين كالقربة للتقرّب المعنوي بعبادة ونحوها ، والقربى للنسبي . قوله : ( وهي ) أي الرؤيا انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة الخ . قيل عليه لا يلزم في الرؤيا الانحدار من المتخيلة لأنّ الإنسان إذا أدرك شيئا وبقيت صورة ذلك المدرك في الخيال فبعد النوم ترتسم في الحس المشترك تلك الصورة التي بقيت مخزونة في الخيال ، وهي من أقسام الرؤيا مع أنه لا يصدق التعريف المذكور عليها ولا مجال لأن يقال التعريف للصادقة منها لمكان قوله ، والصادقة منها الخ . ثم إنّ ما ذكره مبنيّ على أصول الفلسفة ، وقول المتكلمين في الرؤيا غير ذلك ( قلت ) هذا غير وارد كما بينه النفيسي في شرح الأسباب والعلامات حيث قال إذا ضعف الخيال بالنوم لم يحفظ الصور في اليقظة على المجرى الطبيعي حتى تتصرّف فيها القوّة المتخيلة ، وتلقيها على الحس المشترك فتنعكس إليه منه ثانيا فيتذكر عند اليقظة وتفصيل الحواس ، وبيان معانيها مفصل في محله فإن قلت المنقول عن المتكلمين إنّ النوم مضادّ للإدراك وأنّ الرؤيا خيالات باطلة ، وكيف يصح هذا القول مع شهادة الكتاب ، والسنة بصحة الرؤيا قلت دفع هذا بأنّ مرادهم أنّ كون ما يتخيله النائم إدراكا بالبصر رؤية وكون ما يتخيله إدراكا بالسمع سمع باطل فلا ينافي حقيته بمعنى كونه أمارة لبعض الأشياء لذلك الشيء بنفسه أو ما يضاهيه ، ويحاكيه فتأمّل والانطباع مجاز مشهور في الارتسام في القوى الباطنة ، وأفق المتخيلة استعارة لتلك القوّة ، والملكوت عالم الملكوت ، والتناسب هو التجرّد ، وعند فراغها متعلق باتصال ، وقوله أدنى فراغ لعدم قطع العلاقة كما في الموت ، وقوله فتتصوّر أي يحصل لها صورة ، وإدراك وتحاكيه بمعنى تحكيه أو تشابهه بصورة أخرى