تزاحم الحقوق حقوق العباد ، وقيل : الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً
مسلمين كلهم ، وهو دليل ظاهر على أنّ الأمر غير الإرادة وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كلّ أحد ، وأنّ ما أراده يجب وقوعه
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ
بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل لا تكاد تجد اثنين يتفقان مطلقا
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ
إلا ناسا هداهم اللّه من فضله فاتفقوا على ما هو أصول دين الحق والعمدة فيه
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
إن كان الضمير للناس فالإشارة إلى الاختلاف ، واللام للعاقبة أو إليه
شرح
محجورا قدّم دين إلا دميّ على حقه تعالى ما دام حيا ، وكذا إذا اجتمعا في تركة ميت كما بين في أوّل الفرائض . قوله تعالى :( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً )قيل إنّ الآية ترجع إلى قياس استثنائي استثنى فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدّم ، وهو مركب من مقدّمتين طويت الثانية منهما ، وقوله : وأنّ ما أراده يجب وقوعه هو مفهوم المقدّمة المذكورة ، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد نتيجة القياس ، وفي كلام المصنف رحمه اللّه تعالى إشارة إليه ، وقوله على أنّ الأمر غير الإرادة لازم النتيجة بعد ضم مقدّمة أخرى هي أنّ الكل مأمور بالإيمان ، وكل منهما ناع على المعتزلة المخالفين في ذلك ، ولما رأوها ظاهرة في ردّ ما قالوه جعلوا الإرادة قسمين الجائي قسرية ، وغيرها فحملوا المنفية على الأولى فتدبره . قوله : ( مسلمين كلهم ) يعني أنّ الوحدة المراد بها وحدة في الدين بمقتضى المقام وقوله ، ولو شئنا لآتينا كلّ نفس هداها ، وقوله مسلمين كلهم تفسير للأمّة الواحدة بدل أو عطف بيان وكلهم تأكيد للضمير المستتر فيه ، وليس المراد بالإسلام ما يخص هذه الأمّة . قوله : ( وهو دليل ظاهر على أنّ الأمر غير الإرادة ) أما الأوّل فلأنه أمر الكلّ بالإسلام ، وقال هنا أنه لم يرده ، ولو أراده لوقع ، والمعتزلة يقولون إنّ الأمر هو الإرادة بعينها عند بعضهم ، وإنّ الإرادة تتخلف عن المراد فأوّلوا هذه الإرادة بإرادة القسر كما في الكشاف ، وأما الآخران فظاهران ، وهذه الآية لا تخالف قوله ، وما كان الناس إلا أمّة واحدة لما مرّ في تفسيرهما ، ولأنه ليس المراد هنا لجعل كل فرق منهم فتأمّل . قوله :
( بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل ) حمل الاختلاف على ما يشمل اختلاف العقائد ، والفروع وغيرهما من أمور الدين لعدم ما يدل على الخصوص في النظم فالاستثناء منقطع حيث لم يخرج من رحمه اللّه من المختلفين لاختلافهم في غير العقائد فلو قال لكن ناسا هداهم اللّه من فضله اتفقوا كان أظهر في مراده ، ولو حمل الاختلاف على ما يخص الأصول كان الاستثناء متصلا ، وقوله مطلقا يأبى حمله عليه فمن قال لا وجه للانقطاع لم يقف على الداعي له ، وقوله : على ما هو أصول دين الحق حمله عليه لأنّ اختلاف الفروع للمجتهدين لا يمنع الرحمة بل هو رحمة . قوله : ( إن كان الضمير للناس فالإشارة إلى الاختلاف ) في المشار إليه أقوال كثيرة أظهرها أنه للاختلاف الدالّ عليه مختلفين فالضمير حينئذ للناس أي لثمرة الاختلاف من كون فريق في الجنة ، وفريق في السعير خلقهم ، واللام لام العاقبة ، والصيرورة لأنّ حكمة خلقهم ليس هذا لقوله تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ سورة الذاريات ، الآية :