كذلك ، ولا يصح اتصاله إلا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض
وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ
ما أنعموا فيه من الشهوات ، واهتموا بتحصيل أسبابها وأعرضوا عما وراء ذلك
وَكانُوا مُجْرِمِينَ
كافرين كأنه أراد أن يبين ما كان السبب لاستئصال الأمم السالفة ، وهو فشوّ الظلم فيهم ، واتباعهم للهوى وترك النهي عن المنكرات مع الكفر وقوله : واتبع معطوف على مضمر دلّ عليه الكلام إذ المعنى فلم ينهوا عن الفساد ، واتبع الذين ظلموا ، وكانوا مجرمين عطف على اتبع أو اعتراض ، وقرىء وأتبع أي وأتبعوا جزاء
شرح
عرفت وجه جعل كان ناقصة لا تامّة لأنه ليس التحضيض على وجودهم فيهم ، وليس المنفيّ ذلك أيضا بل هو على النهي فإن قلت هو صفة ، والتحضيض والنفي متوجه إليها فيكون مطابقا للمرام فقد زدت في الطنبور نغمة من غير طرب ، ومثله نصب . قوله : ( لكن قليلا منهم أنجيناهم الخ ) قدّر الانجاء بعده لمقتضى قوله ممن أنجينا ، وقدّره الزمخشريّ نهوا لتلازمهما ، ولا فرق بينهما وهو نظر إلى ما قبله ، والمصنف لما بعده لظهوره في الانقطاع . قوله : ( ولا يصح اتصاله الخ ) لفساد المعنى كما سمعته مع ماله وما عليه ، وقوله إلا إذا جعل استثناء من النفي قيل المعنى ما وجد منهم أولو بقية ينهون إلا قليلا ممن أنجيناهم ، وهم أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام أو ما كانوا ينهون إلا قليلا منهم والثاني فاسد ، وقد أوّله في الشكف بما مرّ ، وحمل كان على التامة مغن عن هذه التكلفات ، ومصحح للمراد ا ه ، وقد عرفت أنه لا يسمن ولا يغني من جوع ، وأنه ناشىء من قلة التدبر ومن بيانية أو تبعيضية . قوله : ( ما أنعموا فيه من الشهوات الخ ) أي ما صاروا منعمين فيه لأنّ حقيقة الترف التنعم ، وتفسيره بطغوا فيه من أترفته النعم إذا أطغته ففي إما سببية أو ظرفية مجازية خلاف المشهور وإن صح هنا لكنّ الأوّل أولى ، وأشمل وجعل اتباعه كناية عن الاهتمام به ، وترك غيره لأنه دأب التابع للأمر . قوله :
( وكانوا مجرمين كافرين ) فسره به لأنّ الكفر أعظم الإجرام ، ولأنه الذي يحصل به الفائدة مع ما قبله ، وفشو الظلم شيوعه مأخوذ من إسناد الظلم إلى الجميع ، واتباع الهوى هو اتباع ما أترفوا فيه ، وترك النهي عن المنكرات مأخوذ من مقابلتهم للناهين ، والكفر من الأجرام لتفسيره به .
قوله : ( واتبع معطوف على مضمر دلّ عليه الكلام إذ المعنى فلم ينهوا عن الفساد واتبع الخ ) المضمر بمعنى المقدّر ، وهو ما أشار إليه بقوله لم ينهوا فعليه يكون بيانا لحال من ترك النهي بعد ذكر الناهين ، وعدل عن تقديره نهوا كما في الكشاف ، وإن لم يرد عليه ما ورد عليه كما توهم لأنه نشأ من جعله خبرا على الانقطاع ، والمنصف رحمه اللّه لم يقدّره بل قدر أنجيناهم كما سمعته ، ولا وجه لما قيل إنه على تقديره لا يرتبط الكلام بما قبله ، ولذا عدل عنه لأنه على تقديره المعنى لكن قليلا نهوا عنه فهم نهوا ، وغيرهم انهمك في هواه ، وترك ما سواه فلذا عذبوا وأيّ ارتباط أحسن من هذا ، أو إنما اختاره لأنه أكثر فائدة وأحسن مقابلة ، والذي ورد على الكشاف أنه قدر نهوا خبر لكن فلا يصح عطفه عليه لخلوّه من الربط ودفع بما فصل في شروحه ، وليس لنا به حاجة لترك المصنف رحمه اللّه له . قوله : ( وكانوا مجرمين عطف على