لقيام الفاصل مقامه
وَلا تَطْغَوْا
ولا تخرجوا عما حدّ لكم
إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
فهو مجازيكم عليه وهو في معنى التعليل للأمر ، والنهي وفي الآية دليل على وجوب اتباع النصوص من غير تصرّف وانحراف بنحو قياس واستحسان
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
ولا تميلوا إليهم أدنى ميل فإنّ الركون هو الميل اليسير كالتزيي بزيهم ، وتعظيم ذكرهم
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
بركونكم إليهم ، وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلما كذلك فما ظنك بالركون إلى الظالمين أي الموسومين بالظلم ، ثم بالميل إليهم كل الميل ، ثم بالظلم نفسه ، والانهماك فيه ، ولعل الآية أبلغ ما يتصوّر في النهي عن الظلم والتهديد عليه ، وخطاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي
شرح
والمعية في التوبة مع قطع النظر عن المتوب عنه ، « وقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم يستغفر اللّه في كل يوم أكثر من سبعين مرّة » « 1 » . قوله : ( ولا تخرجوا عما حدّ لكم ) أي ما بين وشرع من حدود اللّه فإنّ الطغيان الخروج عن الحدّ . قوله : ( وهو في معنى التعليل للأمر والنهي ) فكأنه قيل استقيموا ، ولا تطغوا لأنّ اللّه ناظر لأعمالكم مجازيكم عليها ، واللّه ينظر إلى قلوبكم لا إلى صوركم ، وقيل إنه تتميم لقوله فاستقم أي حق الاستقامة فإنه بصير لا يخفى عليه سرّكم ، وعلانيتكم وما سلكه المصنف رحمه اللّه أحسن ، وأتمّ فائدة . قوله : ( وفي الآية دليل على وجوب اتباع النصوص الخ ) ليس فيه إنكار للقياس ، والاستحسان كما توهم فإنّ المصنف رحمه اللّه ليس من مذهبه إنكاره ، وإنما أراد أنه لا يجوز ذلك مع وجود النصوص الصريحة التي لا احتمال فيها لغير ظاهرها لأنه أمره باتباع أوامره ، وعدم تجاوزها إلى غيرها على طريق التشهي ، وأعمال العقل الصرف كما نراه من بعض المؤوّلين للنصوص زاعمين أنّ لها معاني غير ما دلت عليه .
قوله : ( ولا تميلوا إليهم ) لأنّ الركون إذا تعدّى بإلى كان بمعنى الميل ، ومنه الركن المستند إليه غيره لكنه ليس مطلق الميل بل الميل اليسير وأدنى الميل مفسر بما ذكره ، وقوله بركونكم الباء فيه للسببية ، وهو مأخوذ من الفاء الواقعة في جواب النهي لأنها تفيد تسببه عن المنهي عنه ، وقوله ما يسمى ظلما إشارة إلى أنّ العدول عن الظالمين إلى هذا لدلالة الفعل على الحدوث دون الثبوت الدال عليه الوصف باعتبار أصل وضعه ، وقوله الموسومين بالظلم أي المعروفين به ، وإنما يكون ذلك بكثرته ودوامه منهم ، وما ذكره من المراتب إشارة إلى ما في الآية من المبالغة ، ولذا قال الحسن رضي اللّه عنه جمع الدّين بين لاءين يشير إلى هذا كما نقل عنه جمع الزهد بين لاءين في قوله تعالى :تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ[ سورة الحديد ، الآية : 23 ] ولذا قال إنها أبلغ آية في معناها . قوله : ( وخطاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت الخ ) يعني أنه أمرهم أوّلا بالاستقامة الجامعة ، ثم نهاهم عن الطغيان ، وتجاوز
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 6307 من حديث أبي هريرة ولفظه : « واللّه إني لأستغفر اللّه وأتوب في اليوم أكثر من سبعين مرة » .