تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
لمن الذين يوفينهم ربك جزاء أعمالهم ، وقرىء لما بالتنوين أي جميعا كقوله
أَكْلًا لَمًّا
[ سورة الفجر ، الآية : 19 ] وإن كل لما على أنّ إن نافية ، ولما بمعنى إلا وقد قرىء به
إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فلا يفوت عنه شيء منه ، وإن خفي
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
لما بين أمر المختلفين في التوحيد والنبوّة ، وأطنب في شرح الوعد والوعيد أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بالاستقامة مثل ما أمر بها ، وهي شاملة للاستقامة في العقائد كالتوسط بين التشبيه ، والتعطيل بحيث يبقى العقل مصونا من الطرفين والأعمال من تبليغ الوحي ، وبيان الشرائع كما أنزل ، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط ، وإفراط مفوّت للحقوق ، ونحوها
شرح
صحته ، وقوله في التقدير لمن الذين يوفينهم بإسقاط اللام القسمية إشارة إلى أنّ الصلة في الحقيقة جواب القسم لأنّ القسم إنشاء لا يصلح للوصل به ، ولو أبرزها كان أظهر . قوله : ( وقرئ لما بالتنوين أي جميعا الخ ) قال ابن جني على أنه مصدر كما في قوله تعالى :أَكْلًا لَمًّا[ سورة الفجر ، الآية : 19 ] أي أكلا جامعا لإجزاء المأكول ، وكذا تقدير هذاوَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْأي توفية جامعة لأعمالهم جميعا ، ومحصلة لأعمالهم تحصيلا كقولك قياما لأقومنّ ، والمصنف رحمه اللّه كالزمخشريّ ذهب إلى أنها للتوكيد بمعنى جميعا ، وقول أبي البقاء رحمة اللّه إنها حال من مفعول ليوفينهم ضعفه المعرب . قوله : ( وإن كل لما ) أي بالكسر وتشديد الميم على أنّ إن نافية ، ولما بمعنى إلا وأخر هذا القول لما فيه لأنّ أبا عبيد أنكر مجيء لما بمعنى إلا وقالوا إنها لغة لهذيل لكنها لم تسمع إلا بعد القسم ، وفيه كلام في الدرّ المصون ، وقوله وإن كل الخ معطوف على نائب فاعل قرئ قبله . قوله : ( فاستقم كما أمرت ) المراد منه دم على الاستقامة أنت ، ومن معك وفي كلام المصنف رحمه اللّه تعالى إشارة إليه ، وقوله كما أمرت يقتضي سبق أمره عليه الصلاة والسّلام بوحي آخر ، ولو غير متلوّ وقد وقع في سورة الشورى فاستقم كما أمرت ، ولا تتبع أهواءهم . قوله : ( لما بين أمر المختلفين في التوحيد الخ ) بيان لترتب هذه الآية وارتباطها بما قبلها ، وما ذكره معلوم مما مرّ بالتأمّل فيه ، وقوله مثل ما أمر بها أي بوحي آخر ، وفي نسخة أمروا بها ، والأولى أولى ، وقوله وهي أي الاستقامة ، والتوسط بين التشبيه ، والتعطيل أي للصفات هو مذهب أهل الحق ، والأعمال بالجرّ عطف على العقائد ، والقيام معطوف على تبليغ ، وكذا ونحوها والتفريط التقصير ، والإفراد الزيادة ، ومفوت صفة لهما ، والمراد بالحقوق حقوق نفسه ، وحقوق غيره وتفويت التفريط ظاهر ، وتفويت الإفراط لأنه يؤدّي إلى الملل والترك ، وقوله وهي في غاية العسر أي الاستقامة يعسر على كل أحد التزامها في جميع الأمور كما قال الإمام : إنها كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل ، ولا شك أنّ البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جدّا ، والاستقامة في جميع أبواب العبودية أوّلها معرفة اللّه كما يليق بجلاله ، وكذا سائر المقامات ، وسائر الأخلاق على هذا فالقوّة الغضبية ، والشهوانية لكل منهما طرفا إفراط ، وتفريط مذمومان ، والفاضل هو المتوسط بينهما بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين ، والوقوف عليه صعب ، والعمل به أصعب ،