الاستثناء من الخلود على ما عرفت ، وقيل : هو من قوله لهم فيها زفير وشهيق ، وقيل إلا ههنا بمعنى سوى كقولك عليّ ألف إلا الألفان القديمان والمعنى سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السماوات ، والأرض
إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
من غير اعتراض
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
غير مقطوع ، وهو تصريح بأنّ الثواب لا ينقطع ، وتنبيه على أنّ المراد من الاستثناء في الثواب ليس الانقطاع ، ولأجله فرق بين الثواب والعقاب في التأبيد ،
شرح
الزمان المستثنى في الآية الأولى فإن المستثنى ليس فيه ما يدل على زمان معين حتى لا يمكن الزيادة عليه ، وفيه بحث .
قوله : ( وعلى هذا يحتمل التأويل أن يكون الاستثناء من الخلود الخ ) الإشارة إلى كونه مستثنى من أصل الحكم يعني إذا كان مستثنى من أصل الحكم صح استثناؤه أيضا من الخلود لأنّ من لم يكن في النار لم يكن في حال خلودها ، وحاصله أنّ الاستثناء على هذا يرجع لجميع ما قبله فإنّ الاستثناء يجوز كونه من أمور متعدّدة كما صرّح به النحاة ، ولا يرد عليه أنّ الخلود يقتضي سبق الدخول كما مرّ . قوله : ( وقيل هو من قوله لهم فيها زفير وشهيق ) وأورد على هذا في الكشف أنّ المقابل لا يجري فيه هذا ، ولا يرد لأنّ المراد ذكر ما تحتمله الآية والاطراد ليس بلازم . قوله : ( وقيل إلا هنا بمعنى سوى الخ ) يعني أنه استثناء منقطع كما في المثال ، وهذا القول اختاره الفرّاء ، ويحتمل أن يريد أن إلا هنا بمعنى غير صفة لما قبلها والمعنى يخلدون فيها مقدار مدّة السماوات ، والأرض سوى ما شاء اللّه مما لا يتناهى قال في الكشف بعد نقله وهو ضعيف ، ويلزم عليه حمل السماوات والأرض على هذين الجسمين المعروفين من غير نظر إلى معنى التأبيد ، وهو فاسد ثم إنه اختار أنّ الوجه أن يكون من بابحَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ[ سورة الأعراف ، الآية : 40 ]لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى[ سورة الدخان ، الآية : 56 ] وهو منقول عن الزجاج رحمه اللّه تعالى وارتضاه الطيبي رحمه اللّه تعالى فيكون المراد بالأشقياء الكفار وبالسعداء أهل التوحيد ، والمعنى أنهم خالدون فيها إلا وقت مشيئة اللّه عدم خلودهم ، وقد ثبت بالنصوص القاطعة أن لا وجود لذلك فيقدّر الخلود ولا يتوهم جواز التعارض بين هذه ، وبين النصوص الدالة على عدم الخلود لأنّ المحتمل لا يعارض القطعي وقيل إلا بمعنى الواو العاطفة ، وهو قول مردود عند النحاة . قوله :
( وهو تصريح بأنّ الثواب لا ينقطع ) أي قوله عطاء غير مجذوذ لبيان أنّ ثواب أهل الجنة ، وهو إمّا نفس الدخول أو ما هو كاللازم البين له لا ينقطع فيعلم منه أنّ الاستثناء ليس للدلالة على الانقطاع كما في العقاب بل للدلالة على ترادف نعم ورضوان من اللّه أو لبيان النقص من جانب المبدأ ، ولهذا فرق في النظم بين التأبيد بما تممه إذ قال في الأوّلإِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُللدلالة على أنه ينعم من يعذبه ، ويبقى غيره كما يشار ويختار ، وفي الثاني عطاء غير مجذوذ