الموقف للحساب لأنّ ظاهره يقتضي أن يكونوا في النار حين يأتي اليوم أو مدّة لبثهم في الدنيا والبرزخ إن كان الحكم مطلقا غير مقيد باليوم وعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون
شرح
الزمخشريّ من أن الاستثناء من الخلود في عذاب النار ، ومن الخلود في نعيم الجنة بناء على مذهبه من تخليد العصاة ، وهو في أهل النار ظاهر لأنهم ينقلون من حرّ النار إلى برد الزمهرير وردّ بأنّ النار عبارة عن دار العقاب كما غلبت الجنة على دار الثواب ، وقال بعض المفسرين :
ليس في هذا نقل عن أحد من المفسرين ، ومثله لا يقال من قبل الرأي ، وأجيب عنه بأنا لا ننكر استعمال النار فيها تغليبا أمّا دعوى الغلبة حتى يهجر الأصل فلا ألا ترى إلى قوله تعالى :ناراً تَلَظَّى[ سورة الليل ، الآية : 14 ] ناراوَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ[ سورة البقرة ، الآية : 24 ] وكم وكم وأمّا رضوان اللّه تعالى عن أهل الجنة ، وهم فيها فيأبى الاستثناء كيف ، وقوله خالدين فيها لا يدل بظاهره على أنهم ينعمون فيها فضلا عن انفرادهم بتنعمهم بها إلا أن تخص الجنة بجنة الثواب وهو تخصيص من غير دليل ، وأورد عليه أن عدم هجر الأصل علم من الوصف بالتلظي ، والوقود في الآيتين والتقابل في النار هنا يعضد أنه هجر فلا يرد ما ذكر نقضا . قوله :
( أو من أصل الحكم الخ ) عطف على قول في الخلود في أوّل كلامه المراد بأصل الحكم قوله في النار ، والأصلية مقابلة للفرعية التي للمستثنى منه في الأوّل ، وهو الحال أعني خالدين أوّ لأنّ الخلود فرع الدخول ، والاستثناء في هذا الوجه مفرّغ من أعمّ الأوقات المحذوف ، وما على أصلها لما لا يعقل ، وهو الزمان ، والمعنى فأمّا الذين شقوا ففي النار في كل زمان بعد إتيان ذلك اليوم إلا زمانا شاء اللّه فيه عدم كونهم فيها ، وهو زمان موقف الحساب ، وأورد عليه أنّ عصاة المؤمنين الداخلين النار إمّا سعداء فيلزم أن يخلدوا في الجنة فيما سوى الزمان المستثنى ، وليس كذلك أو أشقياء فيلزم أن يخلدوا في النار ، وهو خلاف مذهب أهل السنة ، وأيضا تأخيره عن الحال على هذا لا يتضح إذ لا تعلق للاستثناء به ، وقد يدفع بأنّ القائل بهذا يخص الأشقياء بالكفار ، وبالسعداء بالأتقياء ، ويكون العصاة مسكوتا عنهم هنا فلا يرد عليه شيء إن كان من أهل السنة فإن كان من المعتزلة فقد وافق سنن طبعه ، وسيأتي جواب آخر للمعترض ، وأمر التقديم سهل . قوله : ( أو مدّة لبثهم في الدنيا والبرزخ الخ ) معطوف على قوله زمان توقفهم أي المستثنى المفرّغ من أعمّ الأوقات هذه المدّة إن لم يقيد الحكم بقوله يوم يأتي ، وهو يوم الجزاء فإنه متعلق بتكلم ، والحكم المذكور متفرّع عليه فيتقيد به معنى ، وعلى هذا يقطع النظر عنه فالمعنى هم في النار جميع أزمان وجودهم إلا زمانا شاء اللّه لبثهم في الدنيا ، والبرزخ ، والمراد مع زمان الموقف لأنهم ليسوا في زمانه في النار إلا أن يراد بالنار العذاب فظاهر مطلقا لكنهم معذبون في البرزخ أيضا إلا أن يقال لا يعتدّ به لأنه عذاب غير تامّ لعدم تمام حياتهم فيه وما على هذا أيضا عبارة عن الزمان فهي لغير العقلاء ، وأورد عليه ما أورد على ما قبله ، وأجيب بأنه إنما يرد لو كان المستثنى في الاستثناء الثاني هو ذلك الزمان المستثنى في الاستثناء الأوّل ، وهو غير مسلم فليكن المستثنى منه زمان لبثهم في النار مع ذلك