وما مصدرية واقعة موقع الظرف وقيل : خبرية بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته ، أو إصلاح ما استطعته فحذف المضاف
وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ
وما توفيقي لإصابة الحق والصواب إلا بهدايته ومعونته
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
فإنه القادر المتمكن من كل شيء ، وما عداه عاجز في حدّ ذاته بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار ، وفيه إشارة إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ
وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
إشارة إلى معرفة المعاد ، وهو أيضا يفيد
شرح
التفات لعوده إلى أمر شعيب عليه الصلاة والسّلام ، واقتضاء الأوّل والأخير ظاهر ، وأمّا اقتضاء حق النفس له فلأنّ إصلاح الغير وإرشاده فيه نفع نفسه أيضا لما فيه من الثواب فتأمّل . قوله :
( وما مصدرية واقعة موقع الظرف الخ ) إمّا بجعل المصدر ظرفا أو تقدير حين قبله وسدّه مسدّه ، وعبارة المصنف رحمه اللّه تعالى تحتملهما ، وهذا هو الوجه ، وأمّا إذا كان بدلا سواء قدر المضاف أو لا فهو بدل بعض ، أو كل لأنّ المتبادر من الإصلاح ما يقدر عليه ، وقيل إنه بدل اشتمال ، وعلى هذا والأوّل يقدر ضمير أي منه لأنه لا بدّ منه ، وأراد بالخبرية الموصولة ، وهم يطلقون ذلك عليها وحذف المضاف على الثاني لأنه على الأوّل بمعنى مقدار من الإصلاح وترك كونها مفعولا به للمصدر المذكور في الكشاف لضعف أعمال المصدر المعرّف عند النحاة ، والمراد بالمقدار مقدار من الإصلاح فهو بدل بعض . قوله : ( وما توفيقي لإصابة الحق والصواب إلا بهدايته الخ ) المصدر هنا من المبنيّ للمفعول أي ، وما كوني موفقا أي وما جنس توفيقي أو وما كل فرد منه لأنّ المصدر المضاف من صيغ العموم والمآل واحد لأنّ انحصار الجنس يقتضي انحصار أفراده لكنه على الأوّل بطريق المفهوم وعلى الثاني بطريق المنطوق فلا وجه لردّ الأوّل ، وتقدير بهدايته ومعونته قيل إنه لدفع ما يرد عليه من أنّ فاعل التوفيق هو اللّه تعالى ، وأهل العربية يستقبحون نسبة الفعل إلى الفاعل بالباء لأنها تدخل على الآلة فلا يحسن ضربي بزيد ، وإنما يقال من زيد فالاستعمال الفصيح ، وما توفيقي إلا من اللّه ، وبتقدير المضاف الذي ذكره يتوجه دخول الباء ، ويندفع الإشكال ، وأيضا التوفيق وهو كون فعل العبد موافقا لما يحبه اللّه ويرضاه لا يكون إلا بدلالة اللّه عليه ، ومجرّد الدلالة لا يجدي بدون المعونة منه .
قوله : ( فإنه القادر المتمكن الخ ) تعليل للقصر المستفاد من تقديم المتعلق ، وقوله في حدّ ذاته إشارة إلى أنّ قدرة العبد لسكونها بإيجاد اللّه كلا قدرة لأنه لو شاء لم يوجدها ، ثم ترقى عن ذلك إلى أنه معدوم سدّ الاحتمال أن عجزه عن الاستقلال لا عن أصل الفعل لأنّ الوجود الإمكاني مع وجود الواجب عدم كما قال تعالى :كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[ سورة القصص ، الآية : 88 ] ولذا قال بعض العارفين لما سمع كان اللّه ولا شيء معه ، وهو الآن على ما كان عليه فافهم وقوله أقصى مراتب العلم بالمبدأ إشارة إلى أنّ من عرف نفسه بالعجز والفناء عرف خالقه بالقدرة والبقاء ولولا ذكر المعاد بعده صح حمل المبدأ على اللّه لأنّ الحكماء يطلقون عليه المبدأ الفياض فتدبر كلامه هنا فإنه دقيق ، ولا حاجة إلى ما قيل المراد بالتوحيد في كلامه توحيد الأفعال بأن يعلم أنه لا فاعل لشيء سواه لأنّ التوحيد الحقيقي علم الذات ، وجميع