عطف بيان لعاد ، وفائدته تمييزهم عن عاد الثانية عاد ارم ، والإيماء إلى أنّ استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
هو كوّنكم منها لا غيره ، فإنه خلق آدم ، وموادّ النطف التي خلق نسله منها من التراب
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها
عمركم فيها واستبقاكم من العمر ، أو أقدركم على عمارتها
شرح
كانوا قبل أن يهلكوا مستأهلين لهذا ومثله كثير في كلام العرب كقوله :لا يبعدن قومي الذين هم * سمّ العداة وآفة الجزرواللام للبيان كما في قولهم سقيا له لا للاستحقاق كما قيل : والذي حمله عليه قوله كانوا مستوجبين وقد علمت أن معناه أنه تأويل للدّعاء فإنه لا معنى له بعد الوقوع فلذا أولوه بأن المراد منه أنهم مستوجبون لذلك ، وقوله تفظيعا لأمرهم ناظر إلى إعادة ذكرهم وقوله ، وحثا نظار لتكرير ألا . قوله : ( وفائدته تمييزهم عن عاد الثانية الخ ) يعني أنه إشارة إلى أن عادا كانوا فريقين عادا الأولى وعادا الثانية فيكون إفادة لذلك لا لدفع اللبس هنا حتى يرد عليه ما قيل إنه ضعيف لأنه لا لبس في أن عادا هذه ليست إلا قوم هود عليه الصلاة والسّلام للتصريح باسمه وتكريره في القصة ، وقيل المراد تأكيد تمييزهم ، وقيل : ذكر للفواصل أو ليفيد مزيد تأكيد بالتنصيص عليهم ، وارم سيأتي تفسيرها . قوله : ( هو كوّنكم منها لا غيره الخ ) قالوا إنه أخذ الحصر من تقديم الفاعل المعنوي مثل أنا قضيت حاجتك واعتبره الزمخشريّ في هذا وفي قوله استعمركم فيها أيضا والمصنف رحمه اللّه سكت عنه اكتفاء ببيان هذا عنه لا أنه عطف بعد اعتبار التقديم فلا ينسحب على ما بعده لأن الأول أنسب بالمقام ، وقد يقال الحصر مستفاد من السياق لأنه لما حصر الإلهية فيه اقتضى حصر الخالقية أيضا فبيان ما خلقوا منه بعد بيان أنه الخالق الأكبر لا غيره يقتضي هذا وبيان إنشائهم من الأرض والتراب بأن المراد خلقهم منها بالذات أو بالواسطة أو أنهم خلقوا من النطف والنطف من الغذاء الحاصل من الأرض ، وقد مرّ في الأنعام أنّ المعنى ابتدأ خلقكم منها فإنها المادّة الأولى ، وآدم الذي هو أصل البشر صلّى اللّه عليه وسلّم خلق منها أو خلق أباكم فحذف المضاف . قوله : ( عمركم فيها واستبقاكم الخ ) العمارة قال الراغب :
نقيض الخراب يقال عمر أرضه يعمرها عمارة فهي معمورة وأعمرته الأرض واستعمرته فوضت إليه العمارة ، وقال : استعمركم فيها والعمر مدّة عمارة البدن بالحياة والروح ، وهو دون البقاء ولذا وصف به اللّه دون هذا ، والعمر والعمر واحد وخص بالقسم المفتوح ويقال عمرت المكان وعمرت به بمعنى أقمت والعمرى في العطية أن تجعل له شيئا مدّة عمرك أو عمره كالرقبى ، وتخصيص لفظه تنبيه على أن ذلك شيء معار انتهى فقوله عمركم بالتشديد من العمر ، وأما العمارة ففعلها مخفف يشير إلى أنه يجوز أخذه من العمر وهو مدّة الحياة . قوله : ( أو أقدركم على عمارتها وأمركم بها ) هذا هو الوجه الثاني على أنه من العمارة ، ومعناه أنه جعلكم قادرين على ذلك وأمركم بها فالسين للطلب على حقيقتها ولذا عطفه عليه ، وذكر القدرة توطئة له وعلى الأوّل لا طلب فيه كما أنه على تفسيره بجعلكم عمارها الاستفعال فيه بمعنى الأفعال .