تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
بتوليكم
شَيْئاً
من الضرر ومن جزم يستخلف أسقط النون منه
إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
رقيب فلا تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مجازاتكم ، أو حافظ مستول عليه فلا يمكن أن يضرّه شيء
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا
عذابنا أو أمرنا بالعذاب
نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا
وكانوا أربعة آلاف
وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
تكرير لبيان ما نجاهم منه ، وهو السموم كانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطع أعضاءهم ، والمراد به تنجيتهم من عذاب الآخرة أيضا والتعريض بأن المهلكين كما عذبوا في الدنيا بالسموم فهم معذبون
شرح
فيه وقيل تقديره فقد يستخلف الخ . قوله : ( شيئا من الضرر ) إشارة إلى أنه مفعول مطلق لأنه لا يتعدّى لاثنين ، ولا حاجة لتأويله بما يتعدّى لهما كتنقصون ، وقوله أسقط النون منه أي من تضرون لأنه معطوف على المجزوم ، وقوله بتوليكم وقيل بذهابكم وهلاككم لا ينقص من ملكه شيء ، وقوله فلا تخفى الخ إشارة إلى أن مراقبته كناية عن مجازاته كما مرّ أو حفيظ بمعنى حافظ والحافظ بمعنى الحاكم المستولي ، ومن شأنه أنه لا يقدر على ضرّه سواه وقوله عذابنا على أنّ الأمر بمعنى الشأن واحد الأمور أو المأمور به ، والتفسير الآخر على أنه واحد الأوامر والإسناد على الثاني مجازيّ ، والأمر بالعذاب إما أمر الملائكة فهو حقيقيّ ، أو هو مجاز عن الوقوع على طريق التمثيل . قوله :( نَجَّيْنا هُوداً )صرح بالنجاة للمؤمنين مع التعريض بعذاب الكافرين بيانا لأنه الأهم ، وأنّ ذلك لا يبالي به أو مفروغ منه وقوله برحمة يعني أنه بمحض الفضل إذ له تعالى تعذيب المطيع ، وترك قول الزمخشريّ بسبب الإيمان لما فيه من رائحة الاعتزال ، ولما إن كانت لمجرّد الحين فظاهر وإلا فوجه الترتب على النزول قيل إنه لأنّ الإنجاء يعتمد نزوله ، وفيه نظر ، والظاهر أن يقال ترتبه عليه باعتبار ما تضمنه من تعذيب الكفار فيكون صرح بالإنجاء اهتماما ، ورتب باعتبار الآخر إشارة إلى أنه مقصود منه . قوله : ( وكانوا أربعة آلاف ) هذا فيه مخالفة لما تقدّم من أنه كان وحده ، ولذا عدّ مواجهته وحده للجم الغفير معجزة له صلّى اللّه عليه وسلّم كما مرّ فحينئذ يجوز أن يكون هؤلاء معه حين المحاجة ودعوى انفراده عنهم إذ ذاك لا بدّ لها من دليل ، ولا مانع من جعل هذا باعتبار حالين وزمانين فتأمّل . قوله : ( تكرير لبيان ما نجاهم منه ) حاصله أنه لا تكرير فيه لأن الأوّل إخبار بأن نجاتهم برحمة اللّه ، وفضله والثاني بيان لما نجوا منه وأنه أمر شديد عظيم لا سهل فهو للامتنان عليهم وتحريض لهم على الإيمان ، وليس من قبيل أعجبني زيد وكرمه كما قيل أو هما متغايران فالأوّل إنجاء من عذاب الدنيا ، والثاني من عذاب الآخرة فرجح الأوّل بملاءمته لمقتضى المقام ، وقوله لبيان اللام للتعليل لأصله تكرير وقد أورد على الثاني أن إنجاءهم منه ليس في وقت نزول العذاب في الدنيا ، ولا مسببا عنه إلا أن يجاب بأنه عطف على المقيد والقيد كما قيل في قوله :لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ[ سورة سبأ ، الآية : 30 ] وقد مرّ تحقيقه ، ولا يخفى ما فيه من التكلف من غير داع لأنّ الموافق للتعبير بالماضي المفيد لتحققه حتى كأنه وقع أن يجعل باعتبار ذلك واقعا في وقت النزول تجوزا ، والمعنى حكمنا بذلك لهم وتبين لهم ما يكون لهم