تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وأمركم بها ، وقيل : هو من العمرى بمعنى أعمركم فيها دياركم ، ويرثها منكم بعد انصرام أعماركم ، أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدّة عمركم ، ثم تتركونها لغيركم .
فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ
قريب الرحمة
مُجِيبٌ
لداعيه
قالُوا يا صالِحُ قَدْ
شرح
قوله : ( وقيل هو من العمرى ) بضم فسكون مقصور وقد تقدّم تفسيرها وهل هي هبة أو عارية تفصيله في الفروع واستدل الكسائيّ رحمه اللّه تعالى بهذه الآية على أن عمارة الأرض واجبة لطلبها منهم وقسمها في الكشاف إلى واجب كالقناطر اللازمة والمسجد الجامع ومندوب كالمساجد ومباح كالمنازل وحرام كما يبنى من مال حرام وقد كان هؤلاء أعمارهم طويلة إلى الألف مع ظلمهم فسأل اللّه نبيّ لهم عن سبب تعميرهم فقال اللّه إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي يعني لأنهم عمروا البلاد بحفر الأنهار وغرس الأشجار فطولت لهم الأعمار كما قال الشاعر :ليس الفتى بفتى لا يستضاء به * ولا يكون له في الأرض آثاروقال آخر :إنّ آثارنا تدل علينا * فانظروا بعدنا إلى الآثاروقوله ويرثها منكم أي يرثها من بعدكم اللّه لأنه خير الوارثين . قوله : ( أو جعلكم معمرين دياركم الخ ) هذا على كونه من العمري أيضا وهو ما في الكشاف حيث قال الثاني أن يكون بمعنى جعلكم معمرين دياركم فيها لأنّ الرجل إذا ورث داره من بعده فكأنما أعمره إياها ليسكنها عمره ، ثم يتركها لغيره ، وقد قيل عليه إن ما في الكشاف أن معنى استعمركم جعلكم معمرين بوزن اسم الفاعل من أعمره ، وقوله المصنف تسكنونها مدّة عمركم يقتضي أن معمرين على صيغة المفعول فإن أردت حمل كلامه على ما في الكشاف جعلت الأعمار مفهوما من قوله ، ثم تتركونها لغيركم لأن تركها للغير وتوريثها إياه بمنزلة الأعمار لذلك الغير حيث يسكنها هو أيضا مدّة عمره ، ثم يتركها لغيره ، ولك أن تقول مراد المصنف رحمه اللّه أنها لهم عمرى إما للموروث عنه فلأنّ اللّه جعلها له مدّة عمره ، وإما للوارث فلأنّ اللّه أو مورّثه جعلها له كذلك ، فلا حاجة إلى جعل العمرى مخصوصة بقوله ثم تتركونها حتى يكون ما قبله توطئة ، أو زائدا على المراد ، ولا يرد عليه ما قيل : إنّ الأولى أن يقول أو جعلكم معمرين دياركم تتركونها بعد انقضاء أعماركم لغيركم يسكنها مدّة عمره في تحقيق كونه معمر إبل الاعتبار فيه للمعمر له مدّة عمره ، ولا يرد على هذا القائل أنه توهم أنّ معمرين في كلام المصنف رحمه اللّه بزنة اسم الفاعل ، وهو بزنة المفعول كما قيل ، مع أنه لا مانع منه ، وحاصله أن الوجوه ثلاثة : إما أن يكون استعمركم من العمر أو التعمير أو العمرى . قوله : ( قريب الرحمة الخ ) لقوله تعالى :إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[ سورة الأعراف ، الآية : 56 ] والقرآن يفسر بعضه بعضا وقد جعل قوله قريب ناظرا لقوله توبوا ، ومجيب لاستغفروا ، أي ارجعوا إلى اللّه فإنه قريب منكم أقرب