من إضراره انتقاما منه ، وهذا من جملة معجزاته فإنّ مواجهة الواحد الجمّ الغفير من الجبابرة الفتاك العطاش إلى إراقة دمه بهذا الكلام ليس إلا لثقته باللّه ، وتثبطهم عن إضراره ليس إلا بعصمته إياه ، ولذلك عقبه بقوله :
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ
تقريرا له ، والمعنى أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لن تضروني فإني متوكل على اللّه واثق بكلاءته ، وهو مالكي ومالككم لا يحيق بي ما لم يرده ولا تقدرون على ما لم يقدّره ، ثم برهن عليه بقوله :
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
أي إلا وهو مالك لها قادر عليها يصرّفها على
شرح
الآية : 21 ] لا حال إذ لا فائدة في التقييد به وقوله تأكيدا لذلك أي للبراءة وتذكيره لتأويله بأن والفعل أو بالمذكور ونحوه وإفادته التأكيد لأنّ شهد اللّه ونحوه كالقسم في إفادة التأكيد والتحقيق وقوله وأمرهم معطوف على أشهد أي بأن أشهد وأمر وفيه إشارة إلى التنازع ، وقوله وأن يجتمعوا في نسخة وأن يجمعوا وهو معطوف على بأن أشهد وهو ظاهر في أنّ الخطاب للقوم كما مرّ ، قيل : وهو أظهر مما سلكه الزمخشريّ لأنه سلك في نفي قدرة الآلهة على ضره طريقا برهانيا فلا يناسبه الطلب منها وحتى إذا الخ غاية للاجتماع ، وأن يضروه متعلق بعجزوا ولا يضر صفة جماد ولا تتمكن خبر أنّ ، وفي نسخة بالواو فالخبر لا تضر وهو معطوف عليه .
قوله : ( وهذا من جملة معجزاته الخ ) كون تثبيطهم بمعنى تأخيرهم وتعويقهم معجزة إنما هو بملاحظة كونه بعصمة اللّه إذ كان واحدا أغضب كثيرين حرّاصا على قتله فأمسك اللّه عنه أيديهم وكفهم وإلا فمجرّد التأخير ليس كذلك ( فإن قلت ) كيف عطف اشهدوا وهو إنشاء على الخبر ( قلت ) أمّا من جوزه فلا يشكل عليه ، وأمّا من منعه فيقدّر له قولا أي وأقول اشهدوا وإشهاد اللّه يحتمل الإنشاء أيضا وإن كان في صورة الخبر وإنما غاير بين الشهادتين لاختلافهما فإنّ الأوّل إشهاد حقيقة مقصود بذكره التأكيد ، والثاني المقصود به الاستهزاء والإهانة كما يقول الزجل لخصمه إذا لم يبال به أشهد عليّ أني قائل لك كذا ، وقول المصنف رحمه اللّه تعالى أمرهم بناء على ظاهر الحال أي أتى بصيغة الأمر لهم فلما لم يكن حقيقة عبر عنه بالأمر لأنه يرد كثيرا للاستهانة والتهديد وإن احتمل أن يكون إشهاده لهم حقيقة لإقامة الحجة عليهم ، وعدل عن الخبر فيها تمييزا بين الخطابين فهو خبر في المعنى ، وقوله العطاش إلى إراقة دمه استعارة بمعنى الحرّاص كما يحرص العطشان على الماء ، والإراقة ترشيح وقوله ولذلك أي لما مرّ وكونه معصوما من اللّه قرّره بإظهار التوكل على من كفاه ضرّهم ، وقوله عقبه أي عقب هذا الكلام ، وقوله تقريرا له أي لثقته وذكره لما مرّ وكونه تقريرا له لا ينافي كونه يفيد التعليل لنفي ضرهم بطريق برهانيّ كما يشير إليه قوله لن يضروني فإني متوكل على اللّه لأنّ بيان علة الشيء تقوّيه ، وتقرّره وفي قوله :رَبِّي وَرَبِّكُمْتدرج إلى تعكيس أمر التخويف وقوله لم يقدره من التقدير . قوله : ( ثم برهن عليه ) أي على المعنى ، وهو عدم قدرتهم على ضره مع توكله ولقوله ربي وربكم دخل في البرهان والناصية مقدّم الرأس ، وتطلق على الشعر النابت فيها وناصيته بيده أي هو منقاد له والأخذ بالناصية عبارة عن القدرة ، والتسليط مجازا وقد يكون كناية والمصنف