لتضمن ذكر الوعد بنجاة أهله استنجازه في شأن ولده ، أو استفسار المانع للانجاز في حقه ، وإنما سماه جهلا وزجر عنه بقوله :
إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
لأنّ استثناء من سبق عليه القول من أهله قد دله على الحال ، وأغناه عن السؤال ، لكن أشغله حب الولد عنه حتى اشتبه عليه الأمر .
وقرأ ابن كثير بفتح اللام والنون الشديدة وكذلك نافع وابن عامر غير أنهما كسرا النون على أنّ أصله تسألنني ، فجذفت نون الوقاية لاجتماع النونات ، وكسرت الشديدة للياء ، ثم حذفت اكتفاء بالكسرة ، وعن نافع برواية رويس إثباتها في الوصل
قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ
فيما يستقبل
ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ
ما لا علم لي بصحته
وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي
وإن لم تغفر لي ما فرط مني من السؤال
وَتَرْحَمْنِي
بالتوبة والتفضل عليّ
أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ
أعمالا
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا
انزل من السفينة مسلما من المكاره من
شرح
قامت القرائن على حاله ، كما هنا لا عن السؤال للاسترشاد والاشتنجاز أي طلب الإنجاز للوعد ، وهو إذا كان النداء قبل الغرق ، والاستفسار عن المانع عن نجاته إذ كان بعده ، قيل :
والأوّل هو الظاهر من اللفظ ، وعلى الثاني يكون من الحذف والإيصال وأصله عما ليس الخ ، لأنّ السؤال الاستفساري يتعدّى بعن ، والطلبيّ بنفسه ، كما هو مشهور عندهم ، وأمّا القول بأنّ ما عبارة عن السؤال فلا حاجة إلى الحذف والايصال ، فليس بشيء لأنه يحتاج إلى التقدير في قوله : إذ لا معنى لنفي العلم عن سؤاله ، وإنما هو عن المسؤول ، فلا وهم فيه كما توهم .
قوله : ( وإنما سماه جهلا الخ ) يشير إلى أنه ليس بجهل ، وإنما هو غفلة عما مرّ من الاستثناء ، أو ظنه شمول الوعد لجميع أهله ، ولا يخفى بعده ، وقوله : أشغل بالألف في النسخ ، وقد أنكره بعض أهل اللغة ، لكنها لغة قليلة أو رديئة ، وكتب بعض العمال في رقعة للصاحب أن رأي مولانا أن يأمر بإشغالي ببعض أشغاله ، فوقع له من كتب إشغالي لا يصلح لاشغالي ، ومتعلق العلم والجهل حال ابنه ، واستحقاقه لما حلّ به ، وما ليس له به علم كون المسؤول خطأ أو صوابا وأن تكون بمعنى كراهة أن تكون أو لئلا تكون كما مرّ نظيره ، وقال : الماتريدي إنّ نوحا عليه الصلاة والسّلام ظنّ ابنه على دينه لأنه كان يخفي كفره منه ، وإلا لم يسأل نجاته وقد نهى عن مثله ، قيل : وهو الأظهر . قوله : ( بفتح اللام والنون ) أي ويفتح النون بدليل ما بعده ، وقوله : للياء أي لأجل أن تدل الكسرة على الياء المحذوفة ، أو لمناسبتها والإثبات أمره ظاهر ، وقوله : فيما يستقبل لأنّ السؤال وقع منه ، وقيل : إنه لدفع أن يكون ردّا لقوله ابني وإنكاره السؤال ، وأمّا في الحال فغير متصوّر وقوعه منه فتأمل ، وقوله : بصحته إشارة إلى تقدير مضاف ، ودخل فيه ما علم فساده وما شك في صحته وفساده . قوله : ( انزل من السفينة ) وقال الإمام من الجبل إلى الأرض ، وقوله مسلما بصيغة المفعول إشارة إلى أنّ الباء للملابسة ، وأنّ الجارّ والمجرور حال ، والسّلام إمّا بمعنى السلامة مما يكره ، أو بمعنى التسليم والتحية من اللّه ، أو من الملائكة عليهم الصلاة والسّلام ، الذين من قبله ، وقوله : من جهتنا ، بيان لقوله :