إليه الخلف ، وقد وعدت أن تنجي أهلي فما حاله ، أو فما له لم ينج ، ويجوز أن يكون هذا النداء قبل غرقه
وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ
لأنك أعلمهم وأعدلهم ، أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم على أنّ المحاكم من الحكمة كالدارع من الدرع
قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
لقطع الولاية بين المؤمن والكافر ، وأشار إليه بقوله :
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
فإنه
شرح
بعده ، وإنّ تأويل المصنف رحمه اللّه تعالى ليس بحسن لأنّ فعل كل فاعل مختار لا بدّ أن يعقب إرادته ، فليس في ذكره حينئذ كبير فائدة وفيه نظر . قوله : ( وإنّ كل وعد تعده حق الخ ) يعني أنّ كل وعد لك حق وقد وعدت بانجاء أهلي وهو من جملتهم ، وهو في قوّة قياس ، ومراده استعلام الحكمة في عدم انجائه مع ما ذكر إن كان ذلك بعد غرقه ، أو الاستكشاف عن حاله إن كان قبله ، وإليهما أشار بقوله : فما حاله أو فما له لم ينج لكنه كان ينبغي أن يقدّم قوله ويجوز الخ على ذلك . قوله : ( ويجوز أن يكون هذا النداء قبل غرقه ) فإنّ الواو لا تقتضي الترتيب ، قال الزمخشريّ : وذكر المسألة دليل على أن النداء كان قبل غرقه حين تأبيه عن ركوب السفينة وخوفه عليه ، وأمّا جواز أنه لم يعرف غرقه ، وأنه تعالى يجوز أن ينجيه بسبب آخر لمقتضى وعده فخلاف الظاهر . قوله : ( لأنك أعلمهم وأعدلهم الخ ) يشير إلى أنّ المعنى على التعليل ، وإلى أنه إذا بنى أفعل من الشيء الممتنع من التفضيل والزيادة ، يعتبر فيما يناسب معناه معنى الممتنع ، وقال الإمام ابن عبد السّلام في أماليه إنّ هذا ونحوه من أرحم الراحمين وأحسن الخالقين مشكل ، لأنّ أفعل لا يضاف إلا إلى جنسه ، وهنا ليس كذلك لأنّ الخلق من اللّه بمعنى الإيجاد ، ومن غيره بمعنى الكسب ، وهما متباينان ، والرحمة من اللّه إن حملت على الإرادة صح المعنى لأنه يسير أعظم إرادة من سائر المريدين ، وإن جعلت من مجاز التشبيه وهو أنّ معاملته تشبه معاملة الراحم صح المعنى أيضا لأنّ ذلك مشترك بينه وبين عباده ، وإن أريد إيجاد فعل الرحمة كان مشكلا إذ لا موجد سواه ، وأجاب الآمدي رحمه اللّه تعالى بأنه بمعنى أعظم من يدعي بهذا الاسم ، قال : وهذا مشكل لأنه جعل التفاضل في غير ما وضع اللفظ بإزائه ، وهو يناسب مذهب المعتزلة فتأمّل . قوله : ( أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم الخ ) يعني على أن يبني من الحكمة حاكم للنسبة ، وقيل : عليه إنّ الباب ليس بقياسي وإنه لم يسمع حاكم بمعنى حكيم ، ولأنه لا يبني منه أفعل إذ ليس جاريا إلى الفعل ، فلا يقال ألبن وأتمر ، إذ لا فعل بهذا المعنى ، والجواب بأنه كثر في كلامهم ، أو يجوز أن يكون وجها مرجوحا ، وبأنه من قبيل أحنك الشابين لا يخلو عن تعسف ، وتعقب بأنّ للحكمة فعلا ثلاثيا ، وهو حكم كما مرّ في أوّل السورة ، وأفعل من الثلاثيّ مقيس ، وأيضا سمع احتنك الجراد ، وألبن وأتمر ، فغايته أن يكون من غير الثلاثيّ ، ولا يخفى ما فيه ، ومنهم من فسره على هذا بأعلمهم بالحكمة ، كقولهم : آبل من أبل ، بمعنى أعلم وأحذق بأمر الإبل . قوله تعالى :( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَالخ ) قيل إنه اشتبه عليه الأمر لظنه أنّ المستثنى امرأته وحدها ، وقوله : ولا تكن مع الكافرين ، لا يدلّ على تحقق كفره لاحتمال أن يراد لا تكن في خلالهم ، ولبعد هذا اعتذر عنه المصنف