بالموصل ، وقيل بالشام ، وقيل بآمل روي أنه ركب السفينة عاشر رجب ، ونزل عنها عاشر المحرّم فصام ذلك اليوم فصار ذلك سنة
وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
هلاكا لهم ، يقال بعد بعدا وبعد إذا بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده ، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء ، والآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظه وحسن نظمها ، والدلال على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال ، وإيراد الأخبار على البناء للمفعول ، للدلالة على تعظيم الفاعل وأنه متعين في نفسه مستغني عن ذكره ، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره للعلم بأنّ مثل هذه الأفعال لا يقدر عليه سوى الواحد القهار
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ
وأراد نداءه بدليل عطف قوله :
فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
فإنه النداء
وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ
وإن كل وعد تعده حق لا يتطرّق
شرح
عليه ، وآمل بالمدّ وضمّ الميم بلدة . قوله : ( هلاكا لهم الخ ) يعني أنّ البعد ضدّ القرب ، وهو باعتبار المكان ، وهو في المحسوس ، وقد يقال : في المعقول نحو ضلوا ضلالا بعيدا ، وأنّ استعماله في الموت والهلاك استعارة لكن كلام أهل اللغة يخالفه لاختلاف فعليهما ، فإنه يقال :
في الأوّل بعد يبعد ككرم يكرم بعد بضم فسكون ، وفي الثاني بعدا يبعد كفرح يفرح فرحا ، كما قيل فالواقع في قول المصنف بكسر العين في الماضي وفتحها في المصدر ، وقيل بالعكس ، والظاهر أنه فيهما بالضم ، لأنّ الواقع في النظم مصدر المضموم فهو يقتضي أن يكون من البعد المكاني ، وأنهما من مادّة واحدة ، وهو الذي حمل المصنف رحمه اللّه تعالى على التجوّز وقوله : إذا بعد بضم العين ، وبعدا كقربا ووصف البعد بكونه بعيدا للمبالغة كجدّ جدّه ، وقوله لا يرجى عوده بيان لشدّة بعده وبيان لاطلاق البعد على الموت ، وقد أوضح هذا المعنى التهامي في قوله في مرثيته المشهورة :أشكو بعادك لي وأنت بموضع * لولا الردى لسمعت فيه سراريوالشرق نحو الغرب أقرب شقة * من بعد تلك الخمسة الأشباريوقوله : وخص بدعاء السوء يعني بعدا مصدر يستعمل للدعاء ، كسقيا ورعيا لكنه مخصوص بالسوء كجدعا وتعسا ، والمراد بالظلم مطلقه أو تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسّلام لأنهم به ظلموا أنفسهم . قوله : ( والآية في غاية الفصاحة الخ ) ما اشتملت عليه من الفصاحة والنكات مفصل في شرح المفتاح ، والمراد بالفصاحة البلاغة ، وفخامة لفظها مجاز عن بلاغتها ، وكنه الحال حقيقته من إرادة ما ذكر . قوله : ( وإيراد الأخبار على البناء للمفعول الخ ) يعني أنّ الفاعل قد يترك ويبنى للمجهول لتعينه ، لأنّ تلك الصفات لا تليق بغيره حقيقة ، أو ادّعاء وقد صرّح الشعراء بهذا المعنى وتشبتوا به كما قال أبو نواس :وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة * لغيرك إنسانا فأنت الذي نعنيقوله : ( وأراد نداءه ) أوّله به ليصح التفريع عليه كما بينه ، وقيل : إنه تفصيل للمجمل لأنّ الإجمال يعقبه التفصيل ، وقيل : إنّ المعقب ما بعد قوله : ربّ ، وهو إنما ذكر للتوطئة لما