تعلقها بالإغواء ، وأنّ خلاف مراده محال ، وقيل : أن يغويكم أن يهلككم من غوى الفصيل ، غوى إذا بشم فهلك
هُوَ رَبُّكُمْ
هو خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
فيجازيكم على أعمالكم .
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي
وباله وقرىء أجرامي على الجمع
وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ
من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي
وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ
شرح
إنّ الشرطية لا تدلّ على وقوع الشرط ، ولا جوازه فلا يتم الاستدلال به ولا يحتاج إلى التأويل الآتي ، ودفع بأن المقام ينبو عنه لعدم الفائدة في مجرّد فرض ذلك ، فإن أرادوا إرجاعه إلى قياس استثنائيّ ، فإمّا أن يستثني عين المقدم فهو المطلوب ، أو نقيض التالي فخلاف الواقع لعدم حصول النفع . قوله : ( وأنّ خلاف مراده محال ) أي بالغير لا بالذات ، وإلا لم تصدق الشرطية الدالة على لزوم الجواب للشرط ، قيل ولو قال : بدل هذا وأنّ مراده لا يتخلف عن إرادته ، كان أظهر لقولهم إيمان الكافر مراده تعالى ، وخلاف مراده نفع النصح لهم ، وإن كان صريح النظم أنّ الإغواء مراده ، لأنّ عدم نفعه لازم للإغواء ، وإرادة الملزوم إرادة للازمه . قوله : ( وقيل إن يغويكم أن يهلككم الخ ) هذا من تفاسير المعتزلة للجواب عن مخالفة الآية لمذهبهم ، فتارة قالوا المراد هذا ، وتارة قالوا سمي ترك إلجاء الكافر وتخليته ، وشأنه إغواء ، وكلاهما مخالف للظاهر المعروف في الاستعمال ، وغوى بكسر الغين وفتح الواو كرضي رضا كما في القاموس ، والبشم كالتخمة من كثرة شرب اللبن ، والفصيل ولد الناقة ، ومنهم من جوّز أن يكون إن نافية ، فتدلّ على مدّعي المعتزلة ، ولا ينبغي حمل كلام اللّه عليه لبعده . قوله :
( خالقكم والمتصرّف فيكم وفق إرادته ) أي على وفق إرادته فهو منصوب بنزع الخافض ، ووفقها ما يوافقها ، والرب بمعنى الخالق والمربي ، والتصرّف المذكور لازم لمعناه ، فلذا فسر بما ذكر ، ولم يرد أنّ الإغواء من تصرّفاته الموافقة لإرادته ، حتى يتوهم أنه جبريل إنه علم عدم استعدادهم ، واختيارهم استواء الطريقين على وفق الإرادة التي لا يتخلف عنها شيء ، كما زعمت المعتزلة ، وقوله فيجازيكم قد مرّ تحقيقه . قوله :( قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِيوباله ) يعني أنه على تقدير مضاف ، أو على التجوّز به عن مسببه ، والافتراء المفروض هنا ماض ، والشرط يخلص للاستقبال ، فينبغي أن يقدّر فيه ما يكون مستقبلا ، فلذا قيل تقديره إن علمتم أني افتريته ، لكن الجزاء لا يترتب على علمهم بل على الافتراء نفسه ، ودفع بأنّ العلم يستدعي تحققه لا محالة ، فصح لترتب عليه بهذا الاعتبار وفيه نظر ، وقوله : وقرئ إجرامي أي بفتح الهمزة جمع جرم . قوله : ( من إجرامكم في إسناد الافتراء إليّ ) فيه إشارة إلى أنّ أصله إن افتريته فعليّ عقوبة افترائي ، ولكنه فرض محال وأنا بريء من افترائكم ، أي نسبتكم إياي إلى الافتراء ، وعدل عنه إدماجا لكونهم مجرمين ، وأنّ المسألة معكوسة ، والظاهر أن هذا من تتمة قصة نوح عليه الصلاة والسّلام وفي شأنه وعليه الجمهور ، وعن مقاتل إنه في شأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يخفى