لا لتجانس الراء في الجهر وإسناده إلى الأعين للمبالغة ، والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرؤية من غير روية بما عاينوا من رثاثة حالهم ، وقلة منالهم دون تأمّل في معانيهم وكمالاتهم
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا
خاصمتنا
فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا
فأطلته أو أتيت بأنواعه
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا
من العذاب
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
في الدعوى والوعيد ، فإن مناظرتان لا تؤثر فينا
قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ
عاجلا أو آجلا
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
بدفع العذاب أو الهرب منه
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ
شرط ودليل جواب ، والجملة دليل جواب قوله :
إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ
وتقدير الكلام
شرح
قوله : ( واسناده إلى الأعين للمبالغة والتنبيه على أنهم استرذلوهم ) المبالغة من اسناده للحاسة التي لا يتصور منها تعييب أحد فكان من لا يدرك ذلك يدركه ، وأمّا التنبيه على أنه بمجرّد الرؤية فظاهر من جعل الازدراء لمجرّد تعلق البصر من غير تفكر وتأمّل ، وقوله : بادي الرؤية من غير روية مطابق لقوله :ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ[ سورة هود ، الآية :
27 ] أحسن مطابقة مع ما بين الرؤية والروية من التجنيس ، وفيه إشارة إلى أنّ الرأي يجوز أن يكون بمعنى الرؤية كما مرّ ، وبما عاينوا الخ . كالتفسير لقوله بادىء الرأي من غير روية ، وقوله : وقلة منالهم أي ما يصلح حالهم من المال من النوال ، وهو الصلاح للحال ، قال :
عجزت وليس ذلك بالنوال لا من النوال بمعنى العطاء ، وقوله : في معانيهم وكمالاتهم ، أي في المعاني التي كملوا بها كالإيمان والتسليم للحق والمسارعة إليه ، فإن كانت الرواية ، معايب من العيب فالمعنى التأمّل في أحوالهم الناقصة والكاملة ، فيفرقون بين ذلك لتمييزهم بين ما يعابون به من غيره . قوله : ( فأطلته أو أتيت بأنواعه ) فالمراد بقوله جادلتنا شرعت في جدالنا فأطلته ، أو أتيت بنوع من أنواع الجدال فأعقبته بأنواع فالفاء على ظاهرها ، وفيه إشارة إلى أنه لا حاجة إلى تأويل جادلتنا بأردت جدالنا كقوله تعالى :فَإِذا قَرَأْتَ : الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ[ سورة النحل ، الآية : 98 ] كما في الكشاف . وقال المدقق : إنه عبارة عن تماديه في الجدال ، يعني مجموع ما ذكر كناية عن التمادي والاستمرار ، والحامل له عليه عطف فأكثرت بالفاء . قوله : ( في الدعوى والوعيد ) أي في دعوى النبوّة والوعيد بنزول العذاب ، قيل لا حاجة إلى الأوّل ، إذ المعنى إن صدقت في حكمك بلحوق العذاب إن لم نؤمن بك ، وما في ما تعدنا مصدري أو موصولة ، والعائد مقدّر أي تعدناه . قوله : ( بدفع العذاب أو الهرب ) أعجزه بمعنى صيره عاجزا ، والعجز إمّا بالدفع أو بعدم وجود المعذب ، وكلاهما محال هنا . قوله : ( شرط ودليل جواب الخ ) الشرط هو قوله إن أردت أن أنصح لكم ، دليل الجواب هو قوله : ولا ينفعكم نصحي ، ومجموع قوله : ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ) دليل على جواب الشرط الآخر ، وهو قوله :إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْوفي الكشاف قوله :( إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ )جزاؤه ما دلّ عليه قوله : لا ينفعكم نصحي ، وهذا الدالّ في حكم ما دلّ عليه ، فوصل بشرط كما وصل الجزاء بالشرط في قولك : إن أحسنت إليّ أحسنت إليك ، أن أمكنني ، يعني أنّ ما تقدّم جزاء حكما لا