العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين ضدّيهما والعاطف لعطف الصفة على الصفة كقوله :
الصابح فالغانم فالآيب
وهذا من باب اللف والطباق
هَلْ يَسْتَوِيانِ
هل يستوي الفريقان
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ
أي تمثيلا ، أو صفة أو حالا
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
بضرر الأمثال ، والتأمّل فيها
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ
بأني لكم وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة بالكسر على إرادة القول
شرح
حال هؤلاء الكفرة الموصوفين بالتصامّ ، والتعامي بحال من خلق أصمّ أعمى لعدم انتفاعه بحاستيه فيما يتعلق بسعادة الدارين ، وحال هؤلاء المؤمنين لانتفاعهم بهما وامتناعهم مما وقع فيه أولئك بحال قوى حاسة السمع ، والبصر لانتفاعه بالنظر لأنوار الهداية ، واستماعه لما يلذ وينتفع به السمع من البشارة ، والإنذار فهو تشبيه مركب من جانب المشبه به لا المشبه كما ينبني عليه لفظ المثل ، وهذا من بديع التشبيه ، وظرائفه الرائقة ، وهذا الوجه آثره الطيبي رحمه اللّه تعالى ، والحق معه ، ولا نظر لقول صاحب الكشاف أنّ فيه بعد الآن الأعمى قد يهتدي بما سمع من الدلالة ، والأصمّ قد يهتدي بما يرى من الإشارة فمن كان أعمى أصمّ لا يقبل الهداية بوجه من الوجوه فهذا أبلغ ، وأقوى في التشنيع كما أشار إليه في الكشاف . قوله : ( والعاطف لعطف الصفة على الصفة ) يعني على الاحتمال الثاني فالذات واحدة لكن نزل تغاير الصفات منزلة تغاير الذوات فعطف بالفاء كما في البيت المذكور وفي الوجه الأوّل هو من عطف الموصوف على الموصوف واللف في الفريقين لأنه في قوّة الكافرين ، والمؤمنين فيكون تقديريا أو ما دلّ عليه قوله ، ومن أظلم ممن افترى الخ . وقوله إنّ الذين آمنوا الخ فهو تحقيقيّ ، وقدّم ما للكافرين لتقدّمه هنا ، ولأنّ السياق لبيان حالهم والنشر في قوله كالأعمى الخ . والطباق هو الجمع بين الضدّين ، وهما الأعمى ، والبصير والأصم ، والسميع . قوله : ( الصابح فالغانم الخ ) أصل هذا أنه لما قال الحرث بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان يتوعد ابن زيابة التيميّ :أنا ابن زيابة أن تلقني * لا تلقني في النعم العازبوتلقني يشدّ بي أجرد * مستقدم البركة كالراكبفأجابه ابن زيابة بقوله :يا لهف زيابة للحرث الصا * بح فالغانم فالآيبواللّه لو لاقيته خاليا * لآب سيفانا مع الغالبأنا ابن زيابة أن تدعني * آتك والظنّ على الكاذبقوله : يا لهف الخ أي يا حسرة أبي لأجل هذا الرجل ، والصابح المغرّ في وقت الصباح ، والآيب الراجع وقد تقدّم تفصيله في سورة البقرة ، والشاهد فيه عطف صفات موصوف واحد بالفاء . قوله : ( تمثيلا أو صفة أو حالا ) مرّ في البقرة أنّ المثل كالمثل في الأصل بمعنى النظير ثم استعير لقول شبه مضربه بمورده ، ولا يكون إلا لما فيه غرابة فلذا استعير في المرتبة الثانية