اللّه تعالى
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
من الآلهة وشفاعتها أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما حصلوا ، فلم يبق معهم سوى الحسرة والندامة
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
لا أحد أبين ، وأكثر خسرانا منهم
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ
اطمأنوا إليه وخشعوا له من الخبت ، وهو الأرض المطمئنة
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ
شرح
إنه لا ينتظم الكلام معه بدون تقدير ما كنا في غنية عنه . قوله : ( باشتراء عبادة الآلهة بعبادة اللّه تعالى ) كأنه أراد أنّ خسران أنفسهم بخسران مالها من عبادة اللّه إذا استبدلوها بذلك ، وفي البحر أنه على حذف مضاف أي سعادة أنفسهم وراحتها فإن أنفسهم باقية معذبة ، وقيل إبقاؤه على ظاهره أولى لأنّ بقاء العذاب كالإبقاء ، وفي الكشاف إنّ خسرانهم في تجارتهم لا خسران أعظم منه لأنهم خسروا أنفسهم يعني أنّ المقصود من خلقهم عبادة اللّه فقد تركوا أنفسهم لعبادة الأوثان فهذا في الحقيقة خسران في النفس ، وهو أعظم خسارة ففي الكلام استعارة مرشحة كقوله :إذا كان رأس المال عمرك فاحترس * عليه من الإنفاق في غير واجبقوله : ( من الآلهة وشفاعتها ) قيل عطف شفاعتها من قبيل أعجبني زيد ، وكرمه لأنّ المفتري الشفاعة لا الآلهة ورد بأنه ليس منه إذ دعوى الآلهة افتراء ، ودعوى الشفاعة كذلك ، ولا حاجة إلى تقدير مضاف أي من آلهية الآلهة كما قيل ، وأورد عليه أنه يقتضي أنّ الغائب عنهم آلهية الآلهة لا نفسها وليس بمقصود كما مرّ في سورة الأنعام نظيره فتأمّل . قوله : ( أو خسروا بما بدّلوا وضاع عنهم ما حصلوا فلم يبق معهم سوى الحسرة والندامة ) لفظ بدّلوا بالدال المهملة من التبديل أو بالذال المعجمة من البذل ، وهو العطاء ، والثانية قيل إنها الصحيحة رواية ، ودراية ، والباء عليها بمعنى في أي خسروا فيما بذلوا ، وهو عبادة اللّه ، وما حصلوا ، وهو عبادة الآلهة ، وافتراؤهم قولهم أنها حق ، ولا وجه للقول بأنّ ما حصلوا هو آلهتهم كذا قيل ، ولا محصل له ، والظاهر أنّ تفسيره هذا على وجه يغاير ما قبله ، وعلى ما ذكره ليس بينهما كبير فرق فالصواب أن يقال إنه بالدال المهملة ، وأنّ الباء سببية يعني أنهم خسروا بسبب تبديلهم الهداية بالضلالة ، والآخرة بالدنيا ، وضاع عنهم ما حصلوه بذلك التبديل من متاع الحياة الدنيا والرياسة فيكون هذا الوجه أعمّ من الأوّل ، وفي النظم دلالة عليه إذ أضاف الخسران إلى أنفسهم دون تعيين لما خسروه لكن الافتراء بظاهره مناسب لتفسيره الأوّل فتأمّل . قوله تعالى :( لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِالخ ) لم يفسره المصنف رحمه اللّه تعالى تبعا للزمخشريّ ، وسيأتي تفسيره في الحواميم ، وقوله لا أحد أبين ، وأكثر خسرانا منهم وضع أفعل التفضيل للزيادة على المفضل في الكمّ ، والكيفية ، والظاهر أنه لا يمتنع الجمع بينهما فإن أراد بقوله أبين أعظم لأنّ الظهور لازم للكبير ، والعظيم فهو تفسير له بلازم معناه يكون معنى حقيقيا له ، وإن أراد به ظاهره يكون معنى مجازيا فتفسير المصنف رحمه اللّه تعالى له بهما إمّا بناء على مذهبه من جواز الجمع بين الحقيقة ، والمجاز تتميما للفائدة السابقة ، وقيل إنّ الواو بمعنى أو أو هو من عموم المجاز ولم يبق معنى يشملهما على القاعدة فيه ، والزمخشريّ اقتصر على الأوّل ، وترك لثاني